المتعين لمعرفة مقاصد المحدثين بمصطلحاتهم، وما أصل وضعها وما وضعت له، وكيف طبقت عند منشئيها، الرجوع إلى المحدثين الأوائل القدامى الذين أسسوا هذا العلم وعملوا به، إذ أننا أمام تاريخ علمي كثيف وموضوع اصطلاحي دقيق لا يؤخذ إلا عن أهله القائمين به. ولذلك فالعلو في طلب معاني الاصطلاح وطرق تطبيقها هو الكفيل بإرشاد القاصد إلى هذا العلم لفهمه في غضاضته وطراوته، بمعزل عن الفهوم الطارئة أو التطبيقات الغير منضبطة. فهذا الذي يخول معرفة العلم في أصالته ومقاصد أهله به.
فإن قيل إن العلوم بأسرها يتعين فيها هذا؟ فالجواب أن المراد العلو في المراجعة لا مطلق الرجوع إلى أهل علم من العلوم القائمين عليه، إذ معلوم تطور العلم الواحد بين المتقدمين من أهله والمتأخرين، وقد يخرج المتأخرون عن بعض مقاصده لدى المتقدمين. يضاف إلى ذلك أن علم الحديث يقضي بهذا أكثر من غيره من العلوم، إذ أن علوم الإسناد المنشأة ودواوين الرجال وإطلاقات الاصطلاحات ومعاني ذلك كله لا يشبهه علم آخر حتى يقال يناله ما نال العلوم الأخرى، فصعوبة هذا العلم قد تربك العامل في حقله، وصعوبة غيره قد لا تربك كما نجد في أصول الفقه. ولله در الناقد الذهبي (ت748هـ) : (... فقد نصحتك فعلم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب...) (1) .
وكلام بعض المتأخرين في رجال وأحكامهم عليهم خالفت ما قرره فيهم أهل الحديث الأوائل، فحصر المبتغي لهذا العلم نفسه في أحكامهم يوقع فجوة سحيقة في منهج تحصيل علم الحديث، ويبعده عن إدراك دقائق الفن وحقائقه ونتائجه المرضية. قال ابن حجر في ترجمة إسرائيل بن يونس السبيعي: (لا يحمل من متأخر لا خبرة له بحقيقة حال من تقدم أن يطلق على إسرائيل الضعف، ويرد الأحاديث الصحيحة التي يرويها) (2) .
المحور الثاني: من أسباب تراجع الدرس الحديثي:
(1) مقدمة تذكرة الحفاظ: (1/4) .
(2) هدي الساري: 7.