الصفحة 11 من 63

، فإن كونه وارد كذلك لا يمنع من استفادة القدر المطلوب من التفرغ له، ولو بحد أدنى من ذلك، ويكون الحد الأعلى هو ما يشيرون إليه، والمقصود أن التفرغ لطلب الحديث وعلومه من غير مزاحمة غيره إنما يطلب لصعوبة مسالكه وجمعه بين الحفظ والفهم. وإتقانه لا يكون مع تعديه إلى غيره بحيث يصبح للطالب صناعة، كما قال ابن حبان في وصف أئمة الحديث: (... إلا أن من أشدهم انتقاء للسنن وأكثرهم مواظبة عليها، حتى جعلوا ذلك صناعة لهم لا يشوبونها بشيء آخر ثلاثة أنفس: مالك والثوري وشعبة« وقال أيضا:(... حتى جعلوا هذا الشأن صناعة لهم، لم يتعدوها إلى غيرها، مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن رجلان: يحيى بن سعيد القطان، عبد الرحمن بن مهدي...) (1) . والمراد إحراز قدر من هذا المذكور لمن رام هذا الفن، ومحاكاة أولئك الأئمة في التفرغ لهذا العلم وسيأتي كلام على التفرغ له عند ذكر منهج طلبه.

أهل الحديث قليلون في الأزمان بالنسبة لأصحاب سائر العلوم:

قال البخاري: (أفضل المسلمين رجل أحيى سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم قد أميتت، فاصبروا يا أصحاب السنن رحمكم الله فإنكم أقل الناس) ، قال الخطيب بعد روايته: »عنى البخاري بذلك الحفاظ للحديث العالمين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد صدق في قوله، لأنك إذا اعتبرت لم تجد بلدًا من بلدان المسلمين يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل عصره إليه، ويعولون في فتاويهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضًّا طريا، والاتسام به محبوبًا شهيًا، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، وقال ما حكيناه عنه، فكيف يقول في هذا الزمان مع عدم الطالب وقلة الراغب؟! وكأن الشاعر وصف قلة المتخصصين به من أهل زماننا في قوله:

(1) المجروحين: (1/40-52-54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت