أسرعت نحو الشارع مرة أخرى ودموعها تجري على خديها، وركضت نحو موقف السيارة، وعندما وصلت ... كانت الموقف خاليًا، وسيارة أخرى تستعد للوقف فيه!
أُسقط في يديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم، وعادت نحو المحل الذي كان يغلق أبوابه لوقت صلاة المغرب، لمحها العامل وقال لها:
-اجلسي هنا، سوف تفتقدك والدتك، وتعود لأخذك.
في غمرة يأسها، وبين نشيجها الذي بدأ يتصاعد، ودموعها التي ازدادت غزارة، جلست على كرتون قذر مرمي بجانب المحل، وأسندت ظهرها على جداره، ووضعت رأسها بين ركبتيها، واستمرت تبكي في صمت، والوحدة تملأ كيانها.
ازداد المكان ظلمة، وعلى ضوء إنارة الشارع الضعيفة، رفعت (شهد) رأسها تسجدي الأنوار لكي تزيد من قوتها لتؤنس وحدتها، وتزيل وحشتها، عندما توقفت أمامها سيارة أجرة كان فيها ثلاثة أشخاص، تعرفت (شهد) على أحدهم، فلقد كان يراقبها عندما ذهب إلى السيارة في المرة الأولى، ظلَّ الثلاثة في السيارة يرمقونها بنظراتهم المريبة، ويتهامسون فيما بينهم، وهم ينظرون إليها وأحدهم يهز رأسه، ثم انفتحت أبواب السيارة ونزل منها الثلاثة رجال، يتلفتون حلوهم بحذر، وأحدهم يحمل في يده قماشًا أبيض اللون، واتخذوا طريقهم بسرعة ... نحوها.
في مكان آخر من الشارع انهمك السائق في رص الأكياس داخل سيارة فارهة، وامرأة توجهه لكي يصفها بعناية وحرص، وبعد أن انتهيا من وضع كافة ما معهما داخل السيارة، تلفتت المرأة حولها تبحث عن شيء ما، وعندما لم تجده التفت نحو المحل تنظر إليه وهي تصرخ:
- (شهد) !! ... أين (شهد) ؟! ...يا ربيّ لقد نسيتها في المحل!
وبكل لهفة تحملها لابنتها اندفعت تركض نحو المحل، غير عابئة بالسيارات التي علا صراخ عجلاتها من جراء عبور الأم المكلومة أمامها، وعندما اقتربت من المحل سمعت صرخة ابنتها وهي تنادي:
- (ماما) ... (ماما) .. (ما .. )