قطبت الصغيرة حاجبيها، وهي تحاول استيعاب هذا الاسم الغريب، وهي تحاول مقارنته بما لديها من كلمات في قاموس مفرداتها، قالت لأمها مرة أخرى:
- (ما أعرفه .. شكله مو حلو .. )
ابتسمت أمها وبانت أسنانها اللامعة واضحة من خلف لثامها الخفيف، وهي تقول:
-هكذا أنت .. كل مكان لا تعرفيه لابد أن يكون مكانًا سيئًا، لا تخشي شيئًا سوف يعجبك المكان بالتأكيد.
مطت (شهد) شفتيها، وهزت أكتافها الصغيرة، وألقت بظهرها على المقعد، وعقدت ساعديها الصغيرين على صدرها، مبديةً عدم اقتناعها بما قالته والدتها عنها، وقالت بلهجة العارفة ببواطن الأمور:
-أنا أعرف .. لن يعجبني هذا المكان.
بصبر نافذ قالت لها والدتها:
-أنتِ من أصر على المجيء، ولا تقلقي .. فلن يطول مكوثنا هناك.
في شوارع السبالة الضيقة، دخلت سيارة فارهة معتمة النوافذ، تمشي بهدوء إلى أن توقفت أمام أحد المحلات المشهورة للأواني المنزلية في ذاك الشارع، ونزلت منها امرأة بحجاب عصري، وفتاة صغيرة بقميص وردي وبنطال أحمر وحذاء أنيق بنفس اللون، ودلفا سويًا إلى المحل الكبير.
تهافت عمّال المحل على المرأة مرحبين بها، وهم يرمقون ما تخبئه العباءة الفرنسية المخصّرة، والعينين الكحيلتين المختبئتين خلف النظارة الأنيقة، والسيارة الفارهة بعيون مملوءة طمعًا، ويعرضون عليها ما تريد وما لا تريد، وكل منهم يريد أن يتقرب منها لينعم برائحتها الجذابة، وبينما انهمكت الأم في الاختيار، بدأت (شهد) كعادتها في استكشاف المكان، والجري بين الممرات، وكل من في المحل يخطب ودها ليُرضي والدتها، التي كانت ترقب ابنتها بعين الرضا وهي تلمحها تلعب في سعادة، وفي مرات أخرى تطلب منها الهدوء لكي لا تزعج العملاء الآخرين الذين يملئون المحل.