الصفحة 18 من 36

أما الأول منهما: فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وذلك أنه جعلها غنيمة، فخمسها، وقسمها، وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام، وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر، وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس، كذلك يروى عنه.

وأما الحكم الآخر، فحكم عمر في السواد وغيره، وذلك أنه جعله فيئًا موقوفًا على المسلمين ما تناسلا، ولم يخمسه، وهو الرأي الذي أشار به عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل رحمه الله وبهذا كان يأخذ سفيان بن سعيد، وهو معروف من قوله، إلا أنه كان يقول: الخيار في أرض العنوة إلى الإمام، إن شاء جعلها غنيمة، وقسم، وإن شاء جعلها فيئًا عامًّا للمسلمين، ولم يخمس، ولم يقسم ... وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آية من كتاب الله تبارك وتعالى. فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى، فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئًا.

قال الله تبارك وتعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [1] .

فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال الله عز وجل: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى ... ) [2] فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، فقال: فاستوعبت هذه الآية الناس، وإلى هذه الآية ذهب علي ومعاذ حين أشارا عليه بما أشارا فيما نرى، والله أعلم.

ومما تقدم يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قسم بعض أرض العنوة، ووقف بعضها الآخر، وأن عمر بن الخطاب قد وقف ما فتحه من أراضي العنوة.

وأما دليل وقف عمر لما فتحه من أراضي العنوة، فهو نهي الصحابة عن شراء هذه الأراضي [3] .

ومما يدل عليه ما أخرجه يحيى بن آدم القرشي في نهي عمر بن الخطاب عن شراء أرض العنوة، ومما أخرج في هذا ما يلي [4] :

1 -عن الحسن قال: «نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يشترى أرض أهل الذمة ورقيقهم» .

2 -وعن محمد بن سيرين قال: «نهى عمر -رضي الله عنه عن بيع رقيق أهل الذمة وأرضيهم» .

(1) الأنفال / 41.

(2) الحشر / 6 - 10.

(3) المغني 2/ 720، والخراج ليحيى بن آدم القرشي / 55 وما بعدها، والأموال لأبي عبيد / 99 وما بعدها، والمراد بالأراضي المنهي عن شرائها الأراضي الزراعية، وأما المساكن والدور فلا خلاف عند علماء المسلمين على أنه يجوز شراؤها وبيعها وسكناها، راجع الأموال لأبي عبيد / 109 وما بعدها.

(4) الخراج ليحيى بن آدم القرشي / 55 وما بعدها, وأخرج مثلها أبو عبيد في كتابه الأموال / 99 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت