1 -أما وجه القسمة، فلما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر عنوة وقد قسمها [1] , ومما يدل على قسمتها ما سبق ذكره من أدلة تدل على القسمة.
2 -وأما وجه تركها في أيدي أصحابها على أن تكون مملوكة لهم مقابل خراج يفرض عليها، فلما ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما احتل أرض السواد، قد تركها في أيدي أصحابها، مقابل جزية تضرب على رءوسهم، وخراج يضرب على أراضيهم، ويؤدى إلى بيت مال المسلمين، وقد كان هذا بمحضر من أصحابه، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعًا [2] .
وقد سبق فعل عمر بن الخطاب في سواد العراق.
3 -ومن ذهب إلى أن للإمام أن يتركها في يدي أصحابها دون أن يفرض عليها خراجًا، فقد استدل بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض مكة المكرمة التي احتلت عنوة، وقد تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيدي أصحابها، ولم يفرض خراجًا عليها، وقد جعلها عشرية [3] .
ومما يدل على هذا ما يلي:
(أ) ما رواه أبو عبيد عن أبي هريرة أنه قال: يا معشر الأنصار! ألا أعلمكم بحديث؟ فذكر فتح مكة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى, وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته، فنظر فرآني: فقال: يا أبا هريرة, فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: فقال: اهتف لي بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري، فهتفت بهم، فجاءوا حتى أطافوا به، وقد وبشت قريش أوباشًا [4] لها وأتباعًا، فلما أطافت الأنصار برسول الله. قال: ألا ترون أوباش قريش وأتباعها؟ قال بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم حصدًا، حتى توافوني بالصفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم من يشاء إلا قتله، فجاء أبو سفيان بن حرب، فقال: يا رسول الله! أبيحت أو قال: أبيدت خضراء قريش [5] . فلا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أغلق بابه فهو آمن, ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» , قال: فغلق الناس أبوابهم [6] .
(ب) وما أخرجه كذلك عن أنس بن مالك، قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة - أيام الفتح - فدنونا من مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا، فنادى: أين الأنصار؟ ولا يأتي إلى أنصاري، فلما جاءوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل فيكم غيركم؟ قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا. فقال: ابن أخت القوم منهم. ثم قال: إنكم لاقوا أوباش قريش غدًا، فإذا لقيتموهم
(1) الخراج لأبي يوسف / 68.
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 7/ 119.
(3) الأموال لأبي عبيد / 80، وانظر: الخراج لأبي يوسف / 68 - 69.
(4) الأوباش: الأخلاط من الناس، أي: جمعت جموعا من قبائل شتى. انظر: هامش الأموال لأبي عبيد / 81.
(5) معنى معظمهم وجمهورهم، نفس المصدر.
(6) الأموال لأبي عبيد / 81.