بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر رضي الله عنه: وقالوا: أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا، ولأبناء أبنائهم، ولم يحضروا؟ فكان عمر رضي الله عنه لا يزيد على أن يقول: هذا رأي. قالوا: فاستشر. قال: فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا، فأما عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأي عثمان وعلى وطلحة وابن عمر رضي الله عنهم رأي عمر.
فأرسل إلى عشرة من الأنصار، خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا حمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال: إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هو هواي, معكم كتاب ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده به إلا الحق. قالوا: قل نسمع يا أمير المؤمنين! قال: قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلمًا، لئن كنت ظلمتهم شيئًا وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنما الله أموالهم، وأرضهم، وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله، وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية، يؤدونها فتكون فيئًا للمسلمين، المقاتلة والذرية، ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور، لابد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام - كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر - ولابد لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج، فقالوا جميعًا: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور، وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم.
فقال: قد بان لي الأمر فمن رجل له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها، ويضع على العلوج ما يحتملون، فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف، وقالوا: تبعثه إلى أهم من ذلك، فإن له بصرًا وعقلًا وتجربة, فأسرع إليه عمر، فولاه مساحة أرض السواد، فأدت جباية سواد الكوفة قبل أن يموت عمر رضي الله عنه بعام مائة ألف ألف درهم، والدرهم يومئذ درهم ودانقان [1] ونصف، وكان وزن الدرهم يومئذ المثقال.
(د) وما رواه عن حبيب بن أبي ثابت قال: «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة من المسلمين أرادوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقسم الشام، كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وأنه كان أشد الناس عليه في ذلك الزبير بن العوام وبلال بن رباح» .
(1) الدانقان: مفردها دانق، والدانق بكسر النون وفتحها سدس الدرهم، وربما قالوا: للدانق، داناق، كما قالوا الدرهم درهام. انظر الصحاح تاج اللغة 4/ 1477، والقاموس المحيط 2/ 233، باب القاف - فصل الدال.