5 -ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قسم أرض خيبر وبني قريظة وبني النضير، وقد استولى عليها المسلمون عنوة [1] .
ومما يدل على قسمة أرض خيبر ما يلي:
(أ) حديث البخاري المروي عن أبي هريرة آنف الذكر.
(ب) وما رواه أبو عبيد عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت مما أفاء الله على رسوله, فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها، ويكون ثمرها بيننا وبينكم، وأقركم ما أقركم الله» قال: فقبلوا الأموال على ذلك [2] .
(ج) وما أخرجه كذلك من يزيد بن هارون عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاء الله عليه خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم منها مائة سهم، وعزل نصفها لنوائبه، وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين، وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قسم: الشق والنطأة، وما جيز معهما، وكان فيما وقف: الكتيبة والوطيحة وسلالم، فلما صارت العمال ما يكفون عمل الأرض، فدفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود يعملونها على نصف ما خرج فيها، فلم تزل على ذلك الأموال في أيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن له من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أبي بكر، حتى كان عمر، فكثر العمال في أيدي المسلمين، وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم [3] .
القول الثاني: إنها تصير أرضًا موقوفة على جميع المسلمين بنفس الفتح والظهور، من غير حاجة إلى صيغة وقف. ومقتضى هذا أن تكون أرضًا خراجية يضرب الإمام عليها خراجًا يكون أجرة رقابها، ولا يجوز التصرف فيها ببيع ونحوه.
وهذا قول المالكية في المشهور عندهم، ورواية أخرى عند الحنابلة [4] .
ووجه هذا القول ما يلي:
1 -قول الله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [5] .
تفسير هذه الآيات [6] :
(أ) قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
الإيجاف: الإيضاع في السير، وهو الإسراع، يقال: وجف الفرس، إذا أسرع، ووجفته أنا: أي حركته وأتعبته.
والمعنى: أن أموال بني النضير قد حصل عليها المسلمون بدون قتال ولا مشقة، ولم يلقوا بها حربًا ولا مشقة، ولكن الله سلطهم عليهم وعلى ما في أيدهم، كما كان يسلط رسله على أعدائهم، لذلك لا تجب قسمتها كما تقسم الغنائم التي يقاتل عليها وتؤخذ عنوة؛ لأنها لم تفتح عنوة، وإنما فتحت صلحًا.
قال القرطبي في هذا [7] : «وإنما كانت أموال بني النضير على ميلين من المدينة ... فمشوا إليها مشيا، ولم يركبوا خيلًا ولا إبلًا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ركب جملًا، وقيل: حمارًا مخطومًا بليف، فافتتحها صلحًا، وأجلاهم، وأخذ أموالهم، فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها، فنزلت الآية، فجعل أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ... ولم يعط الأنصار منها شيئًا، إلا ثلاثة نفر محتاجين، منهم أبو دجانة، سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقيل: إنما أعطى رجلين، سهلًا وأبا دجانة ويقال: أعطي سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق،
(1) المحلى 7/ 344، والمغني 2/ 718, وبداية المجتهد ونهاية المقتصد 1/ 341، وزاد المعاد في هدي خير العباد 1/ 76، ونيل الأوطار 8/ 17، والأموال لأبي عبيد / 70 - 71، 75.
(2) الأموال لأبي عبيد / 70 - 71.
(3) نفس المصدر / 71.
(4) المغني 2/ 718، والقوانين الفقهية / 100, والأحكام السلطانية للماوردي / 137 - 147, والأحكام السلطانية لأبي يعلى / 147، وانظر الملكية في الشريعة الإسلامية د. العبادي 1/ 278.
(5) الحشر / 6 - 10.
(6) الجامع لأحكام القرآن - القرطبي 18/ 10 - 12، وانظر المالكية في؟؟؟؟؟؟؟؟.
(7) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/ 11.