الصفحة 59 من 94

محاولة اقامة علاقات متوازنة بين الشمال والجنوب، وعدم الانحياز لطرف دون الآخر مع عدم الاستغلال الفعلي لتحسين علاقتها بالسودان في تعميق روابطها بالجنوب وتضييع الفرص المتتالية في ذلك الشأن حتي جاءت اللحظة التي ساءت فيها العلاقات بين مصر والسودان خلال العقد الأول من حكم عمر البشير وخاصة بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري في إثيوبيا وتبني السودان للاتجاه الأصولي الذي بات يهدد أمن مصر القومي في منتصف التسعينيات من خلال المساعدات التي كانت تقدمها حكومة السودان للحركات الإسلامية المعارضة للحكومة المصرية.. هنا انقلبت الموازين وقامت مصر بتقديم بعض المساعدات والدعم المادي والمعنوي للحركة الشعبية لتحرير السودان والجبهات المعارضة للحكومة السودانية وبدأ اهتمام مصر يزداد بأزمة الجنوب.. ليس من منطلق التخطيط ورسم السياسات لما فيه مصلحتها وأمنها القومي.. وإنما من منطلق ردود الأفعال علي تصرفات النظام السوداني في الشمال.. وكانت النتيجة أن الجنوبيين فهموا ذلك الدعم المصري فهما خاطئا فارتفع سقف مطالبهم وأصبح حق تقرير المصير مطلبا حتميا لابديل عنه.. وبذلك صار واضحا وللأسف الشديد أن العلاقة الشخصية بين النظامين في مصر والسودان قد طغت علي النظرة الاستراتيجية ومصالح الدولتين خاصة بعد أن شاركت مصر بشكل أو بآخر في استصدار قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضد السودان بعد حادث الاغتيال الفاشل ـ وقد أضعف ذلك من قوة الشمال أمام الجنوب فزاد الإصرار علي حق تقرير المصير واكتشفت مصر متأخرة بعد توقيع بروتوكول (مشاكوس) في يوليو 2002م بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية الذي نص بصورة قاطعة علي حق تقرير المصير للجنوب ـ أنها في سياق المواجهة مع النظام السوداني قد أسهمت في ترسيخ الخطوة العملية الأهم في انفصال الجنوب السوداني بكل ما يستتبعه ذلك الانفصال من مخاطر وتبعات علي أمنها القومي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت