الصفحة 28 من 39

النصارى فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ قال: نعم، فقال، هل رأيت روحك؟ قال: لا، قال فسمعت كلامه؟ قال: لا قال: فوجدت له حسًا؟ قال: لا، قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان [1] وقد أورد الذهبي هذه القصة مختصرة، وأن الجهم ذكر للسُمنية أن الله"هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء [2] تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا."

ولنا مع هذه القصة وقفة، فكما تشاهد - أخي القارئ أن وقوع الجهم في هذا التعطيل لأسماء الله وصفاته له أسباب يمكن تتبعها من تلك القصة وغيرها.

فالجهم لم يجالس العلماء ولم يرو شيئًا من الآثار - كما سبق ذكره - مع أنه عاش في زمان التابعين، حيث تكثر حلق العلم العامرة، ويتوافر العلماء الربانيون، ومن ثم كان قلبه قابلًا لأي باطل أو شبهة.

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

"إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر، ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكًا، لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة" [3]

ومن ثم فأوصيك أخي القارئ ونفسي بالاهتمام الجاد في تحصيل العلم الشرعي النافع، والحرص على مجالسة أهل العلم الصادقين.

وسبب آخر أوقع الجهم في هذا التعطيل وهو أنه صاحب جدل وخصومة، وحيث كان فصيح اللسان وبسبب جدله وخصومته، وقع في الشك والارتياب، وفقد اليقين والانقياد، وكم نحن بحاجة إلى ترسيخ الإيمان في نفوسنا، والتسليم للنصوص الشرعية بكل انشراح صدر واطمئنان نفس، دون أن يسبق هذا التسليم مقدمات أو مقررات سابقة.

(1) الرد على الزنادقة والجهمية (ضمن عقائد السلف) ص 65، 66

(2) مختصر العلو ص 162، وقال الألباني عن إسناد هذه القصة إسنادها صحيح.

(3) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 140

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت