الإسلامية، فإنه كان جاهلًا بمذهب السلف الصالح، فلا يعلم معتقد أهل الحديث، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام في غير موضعٍ، فقال:
"فالشهرستاني صنف (الملل والنحل) ، وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه، ولم يذكره" [1] .
ولقد ورَّثت هذه المعرفة الواسعة للمذاهب المختلفة صاحبنا-مع الجهل بمذهب السلف الصالح - حيرةً واضطرابًا، عبر عنها بهذين البيتين من الشعر، فقال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائرٍ ... على ذقنٍ أو قارعًا سن نادم [2]
وتتمثل هذه الحيرة وعدم الاستقرار على مذهب ما، ما نلاحظه في الشهرستاني من موافقة للأشاعرة، ومن ميل للإسماعيلية مرة أخرى، وإظهار التشيع [3] مرة ثالثة، وربما تأثر بفلسفة أو تصوف.
وسبب آخر جعل بعض العلماء يتهم الشهرستاني بالباطنية، وهو ما أشار إليه ابن حجر -رحمه الله-حيث قال معقبًا على ما ذكر من وقوع الشهرستاني في ذلك:
"لعله كان يبدو من ذلك على طريق الجدل، أو كان قلبه أُشرب محبة مقالتهم لكثرة نظره فيها، والله أعلم" [4] . -
إذن فإلحاح الشهرستاني وإمعانه في مناظرة الإسماعيلية، وكثرة جداله معهم، ربما كان سببًا في رميه بالباطنية لتأثره بتلك المناظرات، وقد صرح الشهرستاني بكثرة مناظراته للإسماعيلية، فقال:"وكم قد ناظرت القوم على المقدمات المذكورة، فلم يتخطوا عن قولهم: أفنحتاج إليك؟ أو نسمع هذا منك؟ أو نتعلم عنك؟" [5] .
(1) درء تعارض العقل والنقل 2/ 307، 67/ 9، وانظر المنهاج 5/ 268و6/ 303و319.
(2) الملل والنحل 1/ 173.
(3) - هناك من أصحاب المقالات من يفصل بين الإسماعيلية والشيعة، وهناك من يجعل الإسماعيلية فرقة من فرق الشيعة، كما يفعل الشهرستاني.
(4) لسان الميزان 264/ 5.
(5) الملل والنحل 197/ 1.