فإن طالب العربية إذا أخلص وأقبل على الله -عز وجل- يجد بركة في وقته وفي علمه وفي قلمه وفي مداده وفي بيانه وفي ما يطلبه ولذلك ما على طالب العلم إلا أن يتقرب إلى الله -عز وجل- بطلب العربية لأجل غرض -ليس لذات العربية- كمن يريد أن يصل إلى حاجة ويقف ويعثر دونها، الغرض الرئيس هو ماذا؟ هو فهم هذا الدين وفقه ما أنزله الله -عز وجل- لأننا متعبدون بهذا ولأن الله -عز وجل- قد قال: ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ? [الذاريات: 56] وعبادة الله -عز وجل- لا يمكن أن يوصل إليها ولا أن تعرف دقائقها وضوابطها وأحكامها إلا من خلال هذه اللغة بالوصول إلى الأحكام والدقائق واللطائف، ولذلك تجد أنه قد ضل من ضل ممن كان عنده قصور في فهم العربية فتأول النصوص على غير فهمها وعسفها وتعسفها وضرب النصوص بعضها ببعض، وانغلقت عليه بعض المعاني لأنه لم يحذق اللغة ولم يفهمها ولم يدرك مداركها، ولم يقف على معانيها وبيانها.
هذا الأمر وهذه الآية الحكيمة التي تناولناها وهي قوله -عز وجل-: ?كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ? [ص: 29] ، في هذه الآية العظيمة أربع فوائد:
الفائدة الأولى:
أنه كتاب عظيم.. من أين استفدنا صفة العظمة؟ من التنكير في قوله: ? كِتَابٌ ? أي كتاب عظيم متناهٍ في العظمة، لا يحده حد ولا يحصره عد، فقال كتاب عظيم وعظمته في مادته في قيمته في إحكامه.
الفائدة الثانية:
أنه منزل من عند الله ? كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ ? والجمل -كما قال النحاة-"الجمل بعد النكرات صفات".