الصفحة 18 من 43

على فكرة الإسلام، بمعنى الاستسلام والانقياد لله، الذي يتمثل في فعل إبراهيم عليه السلام حين أسكن أولاده هذا الوادي، واستسلام هاجر حيث قالت في سياق حوارها مع إبراهيم حين تركها وابنها في الوادي الذي ليس به حيُّ سواهما: (( ... إذًا لا يضيعنا ) [1] وهو الأمر الذي ظهر فيما بعد في تسليم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في مسألة الذبح، وتجلى في قول إسماعيل عليه السلام: (( يا أبت افعل ما تؤمر ) )، كما تمظهر في رمي الجمار وتقبيل الحجر ... يقول ناصر الزهراني: (( وتظهر العبودية في الحج من خلال أداء الإنسان لكثير من الأعمال دون أن يفهم لها معنى، أو يدرك لها مغزى، دون أن يتردد في ذلك أو يسأل عن الأسباب، كالرمي، وتقبيل الحجر ... ) ). [2]

ولذلك أزعم أن البحث عن مكة (بوصفها مكة) أو (بكة) موضع (الكعبة البيت الحرام) ... إنما تجده في صفتها القرآنية، وحقيقتها النبوية منذ إبراهيم عليه السلام وحتى محمد - صلى الله عليه وسلم -. وتأسيسًا على ما تقدم فإن مكة فيما يلي من ورقات تظهر لها السمات والقسمات على الوجه الذي أرجو أن أكون قد تفرست فيه، وأمعنت النظر فيه بما يحقق حقيقة مغايرة لجماليات كل مكان، وشاعرية أيّ مكان، ويكشف مكة ويمنحها وجودها الحقيقي الذي يتجاوز وجودها اللفظي في الذاكرة العربية والشعرية منها بوجه خاص إلى وجود إلهي ترامى بين أولية الوجود (الوضع) وأزليته منذ حرّمها وخاتمية الرسالة المحمدية مرورًا بسمات أخرى تجدها فيما يلي من صفحات وجه مكة المتألق.

(1) البلد الحرام، فضائل وأحكام /12.

(2) إبهاج الحاج /78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت