المحصلة الرياضية لخصائص وتوزيعات الإقليم، أي شيءٌ أكبر ُمن مجرد جسم الإقليم وحسب. فهي إنما تتساءل أساسًا عما يعطي منطقة تفردها وتميزها بين سائر المناطق محاولة أن تنفذ إلى (روح المكان) لتستشف (عبقريته الذاتية) التي تحدد شخصيته الكامنة )) . [1]
وشخصية المكان أو روحه وعبقريته في النموذج عندنا (مكة) لا تسعف فيها الجغرافيا ولا يمد فيها التاريخ بغنية كاشفة عن فرادة المكان، واتسامِه، وتَقَسُّم ملامحه، فليس علينا إلا البحث عن كوامن التفرد الخاصة التي نحسبها يقينًا تتمثل فيما أفاء الله على المكان مكة من اصطفاء وما قيض له من عوامل خارج النسق الجغرافي أو التاريخي التقليديين إلى جغرافيا وتاريخ إلهيين.
ولذلك فإن الجغرافيا الحقيقية لمكة لا تجدها في جفاف أوديتها، ولا صلابة جبالها وعسرها، ولا في حرها اللاهب، وشمسها التي لا تكاد تستتر بالسحاب إلا رحمة من ربك.
وإنما تجد الجغرافيا الحقيقية لمكة في غير طبيعتها وموقعها، تجدها أولًا فيما منحها الله وما وهبها من شروط حياة أبدية ليست في غيرها، وثانيًا ما أودع الله في قلوب المؤمنين من قبول مكة فيصبح حرها بردًا وسلامًا، وصخرها سهلًا وطيًّا، وخلوها من الزرع حياة لقلوب المؤمنين واخضرارًا دائمًا لها.
وبعبارة أخرى ربما كانت جغرافيا مكة الحقيقية التي تمنحها سمات التفرد أن تكون الحياة حيث لا حياة، والعمران حيث تنتفي شروطه، والخصب حيث الجفاف، وربما كان في ذلك تأكيد
(1) شخصية مصر 1/ 11.