الصفحة 15 من 43

عن فحوى النص السابق من حيث اشتمال المكان على شبكة من العلاقات التي تمتد خيوطها بين الوجداني والذهني والمادي بين الجبل والوادي والخضرة والوجه الحسن، والمحبوب ... لتشكل مزيجًا من عطر المكان يفوح حين تقرأ اسمه، ويضوع حين تنتسب إليه، ويستدر الدمع متحدرًا من عين الآيب إليه فرحًا أو حزنًا على ما اندثر ودخل عالم الفناء، ولم يبق إلا اسمه يربطه بمعالم الوجود فاتخذ الشعر سبيلًا للبقاء من ذاكرة الإنسان إلى ذاكرة الأمة.

ومكة وما فيها وما حولها من الأماكن لها من هذه الشبكة العلائقية التي للمكان بوصفه كذلك ما لغيرها من الأماكن والديار من مثل قول مضاض بن عمرو الجرهمي: [1]

كأن لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سأمر

ولم يتربع واسطًا فجنوبه ... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر

بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود الغوابر

وبدّلنا ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر

وقول كُثَيِّر عَزَّة: [2]

ولما قضينا من مِنىً كلَّ حاجة ... ومَسَّحَ بالأركان من هو ماسح

وشدت على حدب المهاري رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المَطِّى الأباطح

غير أنني أزعم إن مكة تفردت عن الأمكنة كلها بأنها

(1) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام 1/ 480، وقيل إنها لغيره. انظر المصدر نفسه 1/ 478، 482، 483.

(2) الشعر والشعراء لابن قتيبة 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت