وقوله: والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ولم يذكر عملًا ولا شيئًا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين، وذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ وتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات وأرفع الدررجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} والصبر بذل النفس الثبات له وقوفًا بين يديه بالقلوب عبودية وهذه صفة المقربين.
وقال في آية أخرى {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} فذكر شأن الغرفة وأنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان ولعمل الصالح، ثم بين لهم جزاء الضعف وأن محلهم الغرفات، يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب مطمئنًا به في كل ما نابه، وبجميع أموره وأحكامه، فإذا عمل عملًا صالحًا فلا يخلطه بضده وهو الفاسد.
فلا يكون العمل الصالح الذي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا.
فلهذا كانت منزلته دون غيره.
قلت: ذكره الترمذي الحكيم رحمة الله عليه وهذا واضح بين، وقد قال تعالى {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا} وقال: {ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون} فلما باين بين الأبرار والمقربين في الشراب على ما يأتي بيانه، باين بينهم في