وهو معجز بلفظه ومعناه ، ولما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم تحدى الله به العرب ، ـ وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء ـ على أن يأتوا بمثله وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا كما قال تعالى ( فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) ( الطور: 34 ) ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) ( هود: 14 ) ، ثم كرر ذلك في قوله ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة منه وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) ( البقرة: 23 ) ، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن فقال ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ) ( الإسراء: 88 ) ، فلوا كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعًا للحجة ، ويكفينا شهادة العرب الفصحاء قديمًا بإعجازه فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة (1) جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرا عليه القرآن فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال له: يا عم ، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدًا لتتعرض لما قبله ، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا قال فقل فيه قولًا يبلغ من قومك أنك منكر له وكاره ، قال: وماذا أقول ؟ فو الله ما فيكم رجل ألم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا ، ووالله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلوا وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته ،
(1) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس ، من قضاة العرب في الجاهلية ومن زعماء قريش ومن زنادقتها ، الأعلام 8/122 ، الكامل 2/26 .