أما التجريب الذي تعزى إليه نهضة أوربا العلمية عامة فإن باعثه الظاهري هو التساؤل العقلي الذي افترقت عليه الفلسفة القديمة ، وهو: أيهما أصدق الفكر المجرد أم التجربة الحسية ؟ .
ولم يكن صعود"جاليليو"إلى البرج وإسقاط جسمين متماثلين في الوزن إلا تدليلًا على بطلان قول"أرسطو"في ذلك [1] .
ومن هنا فإن الفكر الإسلامي (السني خاصة) الذي رفض أرسطو رفضًا مطلقا ودعا - وفقًا لصريح القرآن - إلى نبذ تقليد السالفين ، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض والنظر في آيات الله الآفاقية والنفسية هو أصل تقدم الإنسانية الحالي كلها ، وما فعله"جاليليو"بالنسبة لحركة الأجرام السماوية ما هو إلا جزء من الأثر السني الذي شمل العالم وصرع المنطق الصوري الإغريقي في الشرق قبل أن تتخلص أوربا منه بعدة قرون [2] .
وعلى أية حال انطلقت أوربا في نهضتها بعيدًا عن الدين وسوف نتتبع خط سيرها مقتصرين على الجانب المقصود بالذات وهو (( الأدب والفن ) )الذي تنعكس على صفحات محيطه المتماوج الأوجه المتعاورة لأوربا في مراحلها التاريخية المتتالية .
كان جمود الآداب جزءًا من الجمود المطلق في ظل الكنيسة حيث كان العلم (وبالأصح معرفة القراءة والكتابة ) منحصرًا في رجال الدين ، وأسوأ من ذلك أنه كان بلغة ميتة"اللاتينية"وهي لغة معقدة الأسلوب والقواعد في حين كانت أوربا تتكلم لهجات كثيرة متباينة .
(1) يرى أرسطو حسب النظر العقلي المجرد أن أثقل الجسمين يقع على الأرض أولًا في حين أثبت جاليليو بالتجربة وصولهما معًا ، وبذلك تبين أن عوامل غير الكثافة (( فراغ الوسط أو تخلخله ) )هي المؤثرة في سرعة السقوط .
(2) رغم الثورة العنيفة في الفكر الأوربي على منطق أرسطو لم يستطع أي فيلسوف أوربي ولا ( هيجل ) أو ( جون مل ) أن يكتب في نقض المنطق مثلما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ، وأنى لهم ذلك !