عن سائر المخلوقات هو أنّه حيوان ناطق ذو إرادة حرّة، فإذا ما مُنع من استخدام لسانه في القول لجأ إلى التفكير باستخدام يديه بالأفعال، فإذا قُمع لجأ إلى الصّمت، ولكن مصحوبا بتشوّه في صفاته الإنسانية، إلا من رحم الله.
ويلحظ المتأمل في مواقف الصحابة رضوان الله عليهم جرأتهم في الوقوف مع الحق بالفعل والقول، فقد بيّنت لنا كتب التأريخ كيف أنهم لم يستكينوا بل بذلوا أرواحهم في سبيل نصرة الحق حيث مصلحة الدين التي تعلو على ما دونها من مصالح، وإنني لعلى يقين من أن أولئك الفقهاء الذين لم يُجيزوا الخروج على أئمة الجَور حقنًا لدماء المسلمين، أنهم لو عرفوا ما ستؤول إليه أمور المسلمين من بعدهم لتبرؤوا من قولهم، فقد ذهب أئمة الجور بالدين ولم تحقن دماء المسلمين بل ذهبت بأرخص ما يكون، ولقد تمثّل الأمر الأدهى والأخطر في إدخال مسألة الخروج على الحُكام الظلمة في كتب العقائد، فكان ذلك من أهم أسباب قَبول الناس لظلم حجاج بني أُمية وسفاح بني العباس وقَبول ذُلِّ التتار والمغول، حيث قيل أن أحدهم كان يلقى الجماعة من المسلمين فيأمرهم بالانتظار ريثما يذهب ويأتي بسيفه ليقتلهم، فينتظرون ليُقتلون!!!! وتلك حالة نعيشها اليوم أقطارا!!!! ولو رسمنا خطًا بيانيًا لسياسة الحكام الظلمة في إذلال الناس وهضمهم حقوقهم منذ بداية التراجع ومرورًا بما سبق ذكره، ثم انتهاءً بعهود الاسنعمار و (أبطال التحرر والاستقلال) لوجدناه مُستمرًا بالهبوط الحاد تُزيِّن هبوطه (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ... ) .!!! (العقيدة الطحاوية) ، ولقد بلغ الأمر مداه انحطاطًا، حينما اعتبر بعض فقهاء المسلمين حكام التتار والمغول والإنجليز والفرنسيين والطليان أولئك الحكام ولاة أمر!! لا لشيء إلا لأنهم يحكمونهم!!!.
قد يقول قائل أننا أغفلنا نصوصا محكمة من الكتاب والسنة في وجوب طاعة أولي الأمر والصبر عليهم والدعاء لهم ... إلخ، فنقول: إنّ ما جاء بهذا الخصوص من نصوص صحيح، لكنها تتعلق بأئمة العدل لا بأئمة الجَور، فقد يُستساغ الصبر على إمام يُؤثر نفسه بشيء من الأمور الدنيوية الخاصة، أما تنزيل تلك النصوص على أئمة الجور فبعيد عن الحق، ولا عبرة بما نُقل عن إجماع في تحريم الخروج ولو كان الناقل من وزن الإمام النووي وابن حجر رحمهما الله، أولًا: لأن الإجماع بعد الصحابة أمر مُختلف فيه، ولو افترضنا ثبوته: كيف يُستساغ إجماعٌ على أمر خالف فعل الصحابة ولم يجمعوا عليه بل أجمعوا على نقيضه؟ بحسب قول ابن حجر نفسه (أن الخروج مذهب للسلف قديم) ، وثانيًا: لأنهما - النووي وابن حجر - قد خالفا من هم أوزن منهما وأقدم، من كبار أئمة الأمة وأعلام الإسلام.