الصفحة 8 من 26

رضا فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا). (ابن الأثير ج 3 والبداية ج 8) ، أخذ معاوية البيعة ليزيد من العراق والشام والولايات الأخرى، ثم توجه بنفسه إلى الحجاز وهي أهم وأكبر وكان فيها اهل النفوذ وذوو التأثير في العالم الإسلامي ممن كانت تُخشى معارضتهم، فلقيه الحسين ابن علي وابن الزبير وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر خارج المدينة فقابلهم مقابلة جافة وأغلظ لهم فتركوا المدينة إلى مكة فسهل بهذا أمر المدينة على معاوية، ثم توجه من بعد ذلك إلى مكة فدعا نفس هؤلاء الصحابة الأربعة خارج مكة وأحسن معاملتهم على عكس ما عاملهم في المدينة ولاطفهم وصانعهم ودخل مكة في صحبتهم دون سواهم، ثم انفرد بهم وحاول استرضاءهم ليبايعوا يزيد، فقال له عبد الله بن الزبير: نُخيّرك بين ثلاث خصال: تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يستخلف أحدًا، فارتضى الناس أبا بكر، أو تصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريش، ليس من بني أبيه، فاستخلفه، أو تصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه، فسأل معاوية باقي الصحابة: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله، قال معاوية: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن ردّ علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حنى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه، ثم نادى رئيس حرسه وقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد منهما سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما، ثم دخل بهم المسجد وأعلن في الناس: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتر أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله، فلم يبق ثمة موضع لاعتراض الناس، وبذا أخذ البيعة ليزيد من أهل مكة أيضا. (ابن الأثير ج 3)

هكذا قُضي على نظام الخلافة الراشدة قَضاءً مُبرمًا وأخذت العائلات الملكية مكان الخلافة، ومن بعدها وإلى يومنا هذا لم تقم للمسلمين خلافة يرضونها، أما معاوية فمحامده وأفضاله معروفة وعلى العين والرأس، وشرف صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم واجب الاحترام، ونحن لا ننكر فضله في توحيد العالم الإسلامي تحت راية واحدة من جديد، وتوسيع دائرة نفوذ الإسلام في العالم أكثر من ذي قبل، ومن يطعن فيه فقد تعدى وتطاول، ولكن يجب أن نقول ونقول فحسب عن خطئه أنه أخطأ، لأن اعتبار خطئه صوابًا معناه أننا نُعرِّض مقياس الصواب والخطأ إلى خطر كبير). (انتهى الاقتباس من كتاب الخلافة والملك للمودودي) .

والقارئ المتأمل في التأريخ والواقع المعاصر سيخلص إلى نتيجة مفادها أنّ إكراه الناس على الصمت هي المقدمة لغرس قابلية الاستعباد في الناس فالمسخ، ذلك أن ما يُميز الإنسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت