قبل البداية، أجد من الضرورة الإشارة إلى أمر هام، ألا وهو أننا في تناولنا لهذا الموضوع الشائك جدًا، نحتكم إلى نصوص تاريخية كما وردت في مواضعها وبمعزل عن أصحابها، وعليه فإنني أبرأ إلى الله من أن أتعرَّض لأيٍّ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوء، إنما هي نصوص أجاز لنا الشرع الحكيم رفضها أو قبولها بعد عرضها عليه ووزنها بميزانه.
نقل الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله في كتابه (الخلافة والمُلك) ما يلي: (لما مات زياد عام 53 هجرية قرر معاوية أن ينصّب يزيد وليا لعهده، وطفق يستميل إلى ذلك رأي ذوي النفوذ والتأثير في الأمة، ومن ذلك أنه أرسل لعبد الله بن عمر مائة ألف درهم أراد بها أن يسترضيه ليبايع يزيدا، فقال عبد الله بن عمر:(هذا أرادَ أن ديني عندي إذن لرخيص) ، ورفض أن يأخذها. (ابن الأثير ج 3 والبداية ج 8) ، بعد ذلك كتب معاوية إلى مروان بن الحكم والي المدينة يقول له: إنني كبُرت سنّي ودقّ عظمي وأريد أن أستخلف خليفة في حياتي، فاسأل الناس ما قولهم في ذلك؟ فعرض مروان الأمر على أهل المدينة فاستحسنوه، فكتب له معاوية بعد ذلك: أني قد استخلفت يزيدًا، فعرض مروان ذلك على أهل المدينة وخطب في المسجد النبوي فقال: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد أمرًا حسنًا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمرًا، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر وقال: كذبت يا مروان وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد ولكنكم تُريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا من أهل بيته، فقال مروان: خذوه فهو الذي أنزل الله فيه: (وَالذي قَالَ لِوَالِديه أُفٍ لَكُمَا ... ) ، [الأحقاف] ، ففر سيدنا عبد الرحمن ولجأ إلى حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، فلما علمت بذلك صاحت: (كذب مروان، والله ما نزلت فيه، إنما نزلت في فلان بن فلان ولوشئت أن أسميه لسميته ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه) .
وكما رفض عبد الرحمن بن أبي بكر في ذلك المجلس الذي عقده مروان قبول يزيد، رفضه كذلك سيدنا الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين. (جاء ذكر هذه الواقعة باختصار في البخاري في تفسير سورة الأحقاف ونقل تفاصيلها ابن حجر في فتح الباري) .
حينئذ طلب معاوية وفودا من مختلف الولايات ثم عرض عليهم الأمر، فأخذ الناس يردون عليه بخطب الترحيب إلا الأحنف بن قيس الذي سكت من دونهم فقال له معاوية: ما تقول يا أبا بحر؟ قال: (نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة