هل يستطيع عباقرة الكتابة والكلام إيجاز برنامج سياسة عامة لدولة كما أوجزه أبو بكر الصديق رضي الله عنه؟ (وُلّيت عليكم ولست بخيركم ... ) !!! وقد سمعنا في هذا الزمان النكد حاكمًا يقول أنه لو وَجَد شخصًا مناسبًا للرئاسة لرشحه، لكنه لم يجد!!! أي أنه هو الأفضل والوحيد، يقول ذلك عن نفسه ... !! ويلحظ المتأمّل حكمة أبي بكر رضي الله عنه في حسن التصرّف وجمال الأسلوب والحرص على كيان الدولة الوليدة وعدم جعل الأمر وراثة، فقد جمع الناس في المسجد وقال لهم: (أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما آلوت من جهد الرأي ولا ولّيت ذات قرابة، وإني قد أستخلف عمر ابن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا سمعنا وأطعنا) ، (الخلافة والملك للمودودي نقلًا عن الطبري: تاريخ الأمم والملوك) .
ولم يوص أي من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أمر الخلافة إلى أي من قرابتهم، فكان ذلك هو الأصل، لكننا برغم ذلك نعيش ومنذ أكثر من ألف عام حياة توريث الملك والد لولد، مع أن ذلك هو الخطأ الطارئ، ولا نرى جُلّ علماء الدين للأسف إلا مُسوّغي ومخترعي أدلة لتثبيت الخطأ واستمراره.
وتستمر قيم العزة والإباء في مجتمع الصحابة: (سأل عمر الناس يومًا: أرأيتم لو ترخصت - أي لو تهاونت - في بعض الأمور، ما كنتم فاعلين؟ قال بشر بن سعد: لو فعلت ذلك لقوّمناك تقويم القدح، فرد عمر: أنتم إذًا، أنتم إذًا) ، (الخلافة والملك للمودودي، نقلًا عن كنز العمال) ، والقدح هو السهم قبل تسويته، هكذا يحرص القائد على عزة وإباء رعيته، لأنه يعرف جيدًا الفرق الكبير بين أن يكون قائدًا لأحرار أو قائدًا لعبيد، أما اليوم فحدِّث عن إذلال الرعية من قبل حكَّامها ولا حرج، حتى أن المتأمل في هذه المسألة لَيجد صعوبة في تصور أن يكون حكام هذه الأمة من أبنائها.
وكذلك كان شأن الخليفتين عثمان وعلي رضي الله عنهما، واجها كلّ نقد برحابة صدر، سمع الناسُ كلَّ نقد وُجِّه إلى عثمان، فلم يُعتقل أحد ولم يفتك بأحد، وكان قادرًا، بل لقد بلغ مدى رحابة صدر عليٍّ رضي الله عنه أن استمع إلى اعتراضات الخوارج، وأرسل من يناظرهم، ولم يقل عنهم كفار، بل قال: (من الكفر فروا، وإخوة لنا بغوا علينا) ، هل بعد هذا تسامح مع بغاة خرجوا على إمام عادل كريم؟ واليوم إذا ما ثارت نفسٌ أبيّة في وجه حُراس اليهود وخدم النصارى، بادر فقهاء السلاطين بفتاويهم، مهدرين بها دماء الأحرار بحجة الحرابة والخروج على أولي الأمر!
كيف بدأ الخلل؟: