وإلى ما قبل الإسلام لم تتشكل في جزيرة العرب دولة، برغم ازدهار التجارة فيها باعتبار التجارة من أهم مقومات الدولة، كون قمع الفرد من ضمن وظائف الدولة، ولم يكن لذلك قبول، بل ربما لم يشهد التاريخ لجماعة من البشر كما شهد لعرب الجزيرة أن يبلغ تعظيمهم لقيم الحرية والكرامة مبلغًا، جعلهم يحتقرون كل مهنة تُعْوِزهم إلى الغير أو تَحُدّ من حريتهم كالزراعة والصناعة هكذا عاشوا، واستمرت بقيّتهم حتى اليوم، وهم من يُعرفون بالبدو، لا يُعِيرون اهتمامًا لغير المرعى، ولا يُجِيدون سوى الغزو، أحرار طلقاء، لا تحبسهم دار ولا يلهيهم بستان، ولا يَسُود فيهم إلا الشجاع الكريم الحكيم.
وعندما ظهر الإسلام لم يزد هذه القيم إلا بعدًا ساميًا وعظيمًا، وإنه لَحريّ بالباحثين الغوص في بحر ألف سنة ونيف إلى الخلف لمعرفة ما الذي حدا بهذه القيم أن تتراجع، وتبرز إلى السطح باسم العقل وفهم الواقع قيم الذل والخنوع، لتُصبح اليوم زاد العربي فقهًا وثقافة؟ بل يُنعت الرافض لقيم الذل والخنوع بالغلو والتطرف، مع أنه يقف في صراع مع الباطل وشياطينه في مشهد صارخ الوضوح.
محاولة لتلمس الخلل:
لقد دفع حبُّ العدل العربَ (في الجاهلية) إلى تأسيس حلف لنصرة المظلوم سُمِّي (حلف الفضول) ، وسمي فضولا كونه يوجبُ على المشترك فيه دفع الظلم عن غيره، ويتحمل تبعات النصرة، فإذا كان ذاك هو حال العرب في الجاهلية، ففي أي قاع تَخنع الأمة اليوم وقد أرسل الله إليها رسولًا بيّن لها صراطه المستقيم وتركها على المحجة البيضاء لَيلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؟ وجعل لها مجتمع الصحابة بقيمه السامية العظيمة مرجعًا تقيس به الميل والإعوجاج، ولا غرو، فأولئك كما قيل: قوم اصطفاهم الله لصحبة خير خلقه.
وعندما انتقل نبي الله إلى جوار ربه، رأينا كيف تعامل خليفتُه مع رعاياه، وكيف استمرت قيم العدل والعزة والإباء التي لم يزدها الإسلام كما قلنا إلا ترشيدًا وبهاء: (أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، فإني متبع ولست مبتدعا) . (أنظر الخلافة والملك للمودودي نقلا عن الطبري وابن هشام وكنز العمال) .