الصفحة 4 من 26

عدم جواز الخروج على أئمة الجور، مع أن الخروج على أئمة الجور أو الصدع بالحق في وجوههم وعدم الركون إليهم كان من فعل خيار الصحابة وخيار التابعين وخيار فقهاء السلف.

قال ابن حجر: (وهذا - أي الخروج - مذهب للسلف قديم ولكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى ما هو أشد منه) . (أنظر الدولة الإسلامية للبشير أحمد نقلًا عن تهذيب التهذيب) .

وقد لا يختلف اليوم عاقلان، أن الأمة باتت تتعايش مع هزائم مُرّة، توالت عليها ولم تزل ودعونا من (أهازيج النصر وأعراس الديمقراطية وأعياد الثورات والاستقلال) واستعراض زعماء الهزائم لجيوشهم في المناسبات، فتلك تساليهم ولم تعد تنطلي على أحد ومع ذلك، فليس المُشكل في الهزائم، إذ ما من أمة في التاريخ إلا وهي عُرضة لها، فالتاريخ دول، بل كم من هزيمة كانت سببًا في استكمال شروط نصر تالٍ، إنما المشكل فيما يفرزه واقع التعايش مع الهزيمة من فكر وثقافة بل وفقه شرعي أحيانًا، وإنّ قاصمة الظهر، تكون في عدم توفر الظروف المناسبة لبروز فكر مجابه وثقافة بديلة وفقه صحيح، حيث أن واقعًا لا يؤبه فيه لصاحب الرأي الصادق والشجاع، بل يُضيَّق عليه (أمنًا ومعيشة) ، يدفع بذوي الصدق والشجاعة إلى التواري شيئًا فشيئًا، لتخلو الساحة لجيش من الجبناء والمنافقين، تتشكل حلقاتهم في واقع الحياة كما تتشكل حلقات الرقص والفرجة في ساحة الطبول والمزامير، ولقد بات من الواضح جدًا أن سياسة خبيثة جرى ويجري تطبيقها في المجتمعات العربية تحديدًا، هدفها مسخ الناس وصرفهم عن قيمهم النبيلة الموروثة، وجعلهم أشبه ما يكون بالماشية، همهم العيش وحسب، وليس المهم اليوم معرفة من يُطَبقها من الحكام رغبة ومن يطبقها منهم رهبة، ما دامت النتيجة واحدة، لكنها جريمة لا تعادلها جريمة، أن يُهيء حكامُ المسلمين أمةَ الإسلام للاستعباد، وهي في الأصل من اختارها الله لنشر قيم الحرية في الأرض.

نعم .. إن من أصدق التعبيرات عن دين الإسلام أنه دين الحرية والعزة والكرامة ( ... ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله) ، وجزيرة العرب موطن الرسالة هي التي كانت المرتع الخِصب لقيم الحرية والعزّة والكرامة، فلم يكن أهلها ليعدلوا عن تلك القيم بشيء، تجلى ذلك في قصصهم وقصائدهم:

لا تسقني ماء الحياةِ بِذلة بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

ماءُ الحياة بِذلة كجهنم ... وجهنمُ بالعزّ أطيبُ منزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت