الصفحة 24 من 26

ما لا تطيق، والدقّ المتصل على (رجعيتها) والدعوة للتفلت منها، وإبعادها عن مجال الحياة إشفاقًا عليها من الحياة أو إشفاقًا على الحياة منها! وابتداع تصورات ومُثُل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات العقيدة ومُثُلها، وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية، وإطلاق الشهوات من عقالها وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لتخرّ في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثرا! ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرّفون النصوص)! (من تفسير سورة آل عمران) .

لقد شاع في الأمة فقه ذل وثقافة خنوع بحيث أصبحنا اليوم دون سائر الأمم يتحكم في شؤوننا ومصائرنا أفراد مجرد أفراد واحد تلو آخر، استطاعوا بامتطاء دبابة أو بعون عدو أن يكونوا هم الملهمون وهم المنقذون وهم الذين ليس كمثلهم!!! وإن مما يحزّ بالنفس أن شعوبًا كانت إلى الأمس القريب غارقة في التخلف، أصبحت اليوم تُشَاهد وهي تُجبر حكامها على الاستقالة، بل وتحاكمهم وتفرض القيود عليهم كما في دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وكثير من دول أفريقيا، وأصبح منصب الرئيس عندهم مجرد خانة وظيفية يشغلها اليوم هذا وغدًا ذاك أومن ليس له علاقة بهذا أو بذاك، بينما نرى شعوبنا تمضي إلى حيث يشاء حكامها، تقبل العيش الذليل بصبر لا ينفد، أحرار في قبضة الحاكم لكنهم مع ذلك يسبحون بحمده، إن أباح لهم الكلام شكروه وإن منعهم صبروا، يخاطبهم عبر أجهزة إعلامه كالساحر، فيسلب منهم العقول، يرون إخوانًا لهم يذبحون كالنعاج وأعراضهم تنتهك كأرخص ما يكون وأموالهم تسلب، ولا تراهم يعملون شيئًا غير ترطيب ألسنتهم بالأغاني والرقص تحت قباب التسامح وكأن الله قد سلب عقولهم!!!.

شخص واحد في ديار العرب يضع كل العسكريين والسياسيين والمثقفين والعلماء والمشائخ، يضعهم جميعًا تحت إبطه كما يضع العصا، ويقضون حياتهم في خدمته مقابل انتفاع مادي ومعنوي يشبه انتفاع الخادمة في بيت الموسر، في وقت لم يعد ذلك ممكنًا في مكان آخر، هل ذلك إلا نتيجة شيوع فقه ذل وثقافة خنوع أفسد الرّعايا؟.

ما ضرّ هذه الأمة غير أهل الزيف من أرباب الشهادات والثقافات صنّاع الطغاة وأحذية السلاطين. إن الطاغية يستعين بدكتور أو مهندس أو عالم أو ضابط أو مثقف فيجعله وزيرًا أو مسؤولًا كبيرًا وما هو في حقيقة الأمر إلا حذاء يلبسه عام أو عامين ثم يرمى به ويلبس غيره ولا يبالي، وليس لذلك الحذاء من هم سوى أن يمتلئ: دار وداران وثلاثة، رصيد ورصيدان وثلاثة وهكذا.

جاء في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله: (فساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت