-كيف يُلقّن حبُّ الشهادة للمسلمين حتى إذا كانت للحسين رُغِّب عنها؟.
-وكيف يُمجّد فعل كل شهيد حتى إذا كان فعل الحسين قرأنا ما يُصيب بالإحباط؟
هل وُجد من يخطّئ أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهي تحث ابنها عبد الله بن الزبير على الصمود مادام يرى أنه على الحق؟ والقتال يجري في الحرم وتهدمت من جرائه الكعبة؟
إن على المسلم أن يعي جيدًا أن المصلحة كل المصلحة، للدين والنفس، لا تكون إلا بالوقوف مع الحق وليس في الوقوف مع الباطل أو التقاعس عن نصرة الحق أية مصلحة، فإنما تلك خواطر الجبناء: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ... ) .
إن الإسلام قد حسم أمرًا لا يزال الكثير من المسلمين للأسف يخوضون فيه: لقد أوجب الإسلام على كل مسلم مُكلَّف الوقوف مع الحق بحسب استطاعته، وجعل قتيل كلمة الحق عند السلطان الجائر مجرد قول كلمة الحق شهيدًا، بل ومن سادة الشهداء، ولو وقف المسلمون مع الحق، كلٌّ بحسب قدرته لا بحسب ما يحتمل في تفكيره من نتائج وكما وقف الصحابة رضوان الله عليهم وما أكثر مواقفهم لما تسلّط ظالم ولو تسلّط ما طغى ولو طغى ما استمر، ولربما كان الإخلال بهذه القاعدة الوقوف مع الحق هو بمثابة البذرة الأولى لفقه الذل وثقافة الخنوع، ولعلنا نلمس فيما سجله المؤرخون عن حادثة مقتل الحسين رضي الله عنه بداية وضع تلك البذرة في الأرض وسقيها وتنميتها حتى فرّعت أغصانها ولا زالت تزهر وتثمر برعاية الحكام حتى اليوم، فبوسع أيّ منّا أن يتصور لو أن مقتل الحسين أدّى إلى تغيير الوضع القائم حينذاك، كيف كان سَينظر إلى مقتله؟ ذلك أن التاريخ حينما تكتبه أقلام المنتصرين يختلف عن ذاك الذي يتركه أثر الخصوم، إن من يتأمل في عبارة: (كان الحسين على الحق لكنه أخطأ) سيكتشف أنّ تسجيلها في كتب التاريخ بهذه الصِّيغة كان مكسبًا للظلمة لا لأنصار الحق، فقد أصبح من (عقيدة) أهل السنة والجماعة بعد تكريس طويل المدى عدم جواز الخروج على الحاكم الظالم، برغم انعدام الدليل الشرعي الصحيح، وإلا لكان الحسين وابن الزبير وزيد قد خالفوا الدليل، ولم يقل بهذا أحد، وبناءً على تكريس تلك المقولة، ها هي الأمة منذ قرون وحتى اليوم (تتمتع) بالحياة في ظل حكم الظلمة تحاشيًا (لأخطاء) الحسين وابن الزبير وزيد وابن الأشعث وغيرهم.
ولعل من المفيد جدًا هنا تسجيل إطلالة على آخر عهد الإسلام في الأندلس بعد حياة ثمانية قرون لندرك الضرر العظيم الذي لحق بالمسلمين من جرّاء هذه (العقيدة) ولنرى أن التراجع مستمر: