الصفحة 20 من 26

اليمن خير له من العراق لكنه أصّر على موقفه فحدث ما حدث من مأساة له ولأهله، كان مسيره خطأً فادحًا لكنه رغم ذلك قتل شهيدًا!! وكتب الشيخ محمود شاكر في كتابه (التاريخ الإسلامي) بالنصّ ما يلي: ( .... قد نصحوا له وبينوا مغبّة سيره إلى العراق، لكنه كان سائرًا إلى أمر الله الذي لابدّ له، فذهابه غلط لما كان عليه أهل العراق، ولما يحدث من فتنة ولم يتّضح الأمر بعد، ولخروجه مع نسائه وأهل بيته وهو يعلم أنه قادم على قتال، ولخروجه على الحاكم) . هذا بإجمال ما نقرأه في أشهر كتب أهل السنة وهي كثيرة عن حادثة خروج الحسين رضي الله عنه، والمتأمل في تلك الكتابات يلحظ أن أهم ما أريد تسجيله بحسب وجهة نظر الكُتّاب هو خطأ خروجه على الحاكم!!! أما بخصوص (أهل العراق ولما يحدث من فتنة ولم يتضح الأمر بعد) فكيف يليق برجل في مقام الحسين وأمثاله من صالحي الأمة أن لا يستجيبوا و يبادروا إلى إنقاذ الأمة من الفتنة؟ وهل كان يليق به التواري والانتظار كما يفعل المتربصون؟ وأما خروجه مع نسائه فتلك سُنّة قد خرج جدّه للقتال مع نسائه، وهكذا فلا يبقى من (خطأ) سوى خروجه على الحاكم!!!.

ومع أنني لم أبحث ولم أتقصّ في صحة روايات تلك النصائح التي قُدّمت لسيّد شباب أهل الجنّة، إلا أنني أجد نفسي مع الحسين رضي الله عنه رافضًا لها، ولو عاصرته لما ترددت لحظة في المضي معه، (مع علمي اليوم بما آلت إليه حادثة خروجه تلك) ، ذلك أن الأمر حينما يتعلق بمسائل الصراع بين الحق و الباطل، يصعب كثيرًا على أهل الدين الحق أن يلزموا الحياد، وكيف يتسنّى لنصائح مثل: هم أكثر عُدة وعَتادًا وما شابهها أن تلقى أذنًا صاغية عند من يحفظ عن الله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) ، وقوله تعالى (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) ؟، ويحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصايا الوقوف مع الحق لا يخشى لومة لائم؟ ويتذكر جيدًا مواقف جدِّه صلى الله عليه وسلم في أحد وحنين والخندق؟.

وإنّ المرء ليتساءل اليوم: كيف تسنى لأقوال فقهاء وإن كنا نجلّهم (بعدم جواز الخروج على أئمة الجور) أن تزدهر وتلقى قبولًا عند الناس وهي في نفس الوقت خالية من أدلّة شرعية صحيحة لولا أن قوة السلطان كانت وراء تعميمها وتكريسها؟.

هل كانت الظروف التي أعقبت مقتل الحسين رضي الله عنه هي التي ساعدت على ذلك؟ خاصة بعدما زُيّنت تلك الأقوال بحجة الحفاظ على دماء المسلمين؟ هل وافقت أنفسًا تميل إلى السلامة، فحُفظت الأنفس وبمرور الزمن ضاع الدِّين؟.

لقد مضى الحسين رضي الله عنه إلى مُراد الله له فنال الشهادة، وإن المرء ليعجب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت