بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا!! قال: فأتاه أبو هريرة فقال: يا عبادة ما لك ولمعاوية؟ ذره وما حُمّل، فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألا يأخذنا في الله لومة لائم، فسكت أبو هريرة، وكتب فلان إلى عثمان: أن عبادة قد أفسد علينا الشام)، (المصدر السابق نقلا عن السّير) .
(وعن الأوزاعي: حدّثني أبو كثير عن أبيه قال: أتيت أبا ذرّ وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه ثم قال: أرقيب أنت علي؟ لو وضعتم الصّمصامة على هذه وأشار بيده إلى قفاه ثم ظننت أني أُنْفِذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تُجيزوا علي لأنفذتها) ، (المصدر السابق) .
(وحبس معاوية ابن أبي سفيان العطاء يوما(العطاء: مرتبات ثابتة لجميع أفراد الشعب تُؤدّى لهم من بيت المال) ، فلما صعد إلى المنبر قام إليه أبو مسلم الخولاني وقال: لم حبست العطاء يا معاوية؟ إنه ليس من كدّك ولا من كدّ أبيك ولا من كدّ أمك حتى تحبس؟ فغضب معاوية غضبًا شديدًا ونزل عن المنبر وقال للناس: مكانكم، وغاب من أعينهم ساعة ثم عاد إليهم فقال: إن أبا مسلم كلّمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الغضب من الشيطان والشيطان خُلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل) ، وإني دخلت فاغتسلت، وصدق أبو مسلم أنه ليس من كدّي ولا كدّ أبي، فهلمّوا إلى عطائكم). (صلاح الأمة في علو الهمة) .
تلك ثمرات قليلة من بستان واسع نضير:
إننا حينما نقرأ التاريخ لا يجوز أن نفصل بين من كتب التاريخ والواقع الذي عاش فيه الكاتب، وكذلك لا يجوز إغفال تأثير السلطة والسلاطين على كتابة الأحداث، خاصة عندما نعلم أن بعض الأسر الحاكمة قد تجاوز توارثها للحكم مآت السنين، بل لقد تكلم الفقهاء عن تَغيّر الفتوى بتغير المكان. إن هناك من النصوص التاريخية في كتبنا تدفعنا إلى الجزم أنها كُتبت مسايرة لهوى الحكام، فأورثت في الأمة ذلًا لن تتخلص منه إلا بمراجعة دينها، أو كما ورد في الحديث: (حتى تراجعوا دينكم) ، وها هي حادثة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما شاهد على ذلك، فما سجلته الكتب عنها إنما كان وفق ما أملته ظروف المنتصر وما بدا أن المنطق يسمح به، لكنه بشيء من التأمل يظهر مجافيا للمنطق، فإذ لم يستطع أحد أن يقول أن الحق ليس مع الحسين، قالوا: كان على الحق لكنه أخطأ!!!. ولنا