وبالنظر إلى الديمقراطية من حيث أصلها ومن حيث آلياتها من المنظور الشرعي؛ نجد أنها باطلة. وبالنظر إليها من داخلها؛ نجد أنها غير مستطيعة لتحقيق ما أقامت نفسها لأجله، ومن هنا يأتيها البطلان من داخلها أيضًا، فإذا كانت الآليات المطبقة في الفكر الديمقراطي هي لتحقيق العنصر الأساس وهو السيادة للشعب؛ فإنا نقول إن السيادة في الحقيقة إنما هي لطائفة قليلة جدًا جدًا بالنسبة لمجموع الشعب، وهي تمثل النخبة السياسية، وبيان ذلك من وجوه عدة فمن ذلك: وجود عدة أحزاب يتقاسمون أصوات الناخبين؛ مما يجعل الأصوات موزعة على عدة اتجاهات، ومنها عزوف كثير من الناس عن المشاركة في الانتخابات، وهو الذي يُعبَّر عنه بـ «اللامبالاة السياسية» ، وهي ظاهرة واضحة، ومنها أن قوانين الانتخابات تحدد شروطًا لمن يحق له المشاركة فيها، وهي تُخرج عددًا كبيرًا من الناس لعدم بلوغهم السن الانتخابي، أو لارتكابهم بعض الجرائم، أو لكونهم لا يتمتعون بحق المواطنة في الدولة التي يقيمون فيها. ومنها أن هناك أصواتًا باطلة.
ومن هنا يتبين أن الحزب الفائز في الانتجابات بالأغلبية هو في حقيقته أقلية بالنسبة لمجموع الشعب، ويزداد هذا الأمر وضوحًا عندما تكون الأغلبية الفائز بها أغلبية ضئيلة قد تصل أحيانًا إلى 51 % أو 52 % [1] ، فكيف يكون هؤلاء معبرين عن الشعب بينما هناك 48 % يخالفونهم ولا يوافقونهم؟ حتى الحزب الفائز لا يشارك في الحكم جميع أعضائه، وإنما تشارك في السلطة التشريعية منه نخبة لا تزيد في أكثر البلدان عن خمسمائة فرد من الشعب الذي قد يزيد تعداده عن مائة مليون فرد.
وإذا تجاوزنا ذلك فلنا أن نقول:
أ- إن هذا التمثيل أو النيابة عن الشعب في السيادة أمر لا يمكن تحقيقه ولا التحقق من حصوله، فإذا كانت السيادة تعني إمضاء إرادة الشعب؛ فكيف يمكن التنازل عن الإرادة؟ وكيف يمكن معرفة إرادة كل فرد عند كل موضوع أو عند كل تشريع حتى يمكن القول بأنه تنازل عنها؟
(1) - علمًا بأن هذه النسبة هي من المشاركين في الانتخابات لا من أصل عدد الشعب.