ص -69 - بل المقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود ومنعهم من الفساد، فإذا جرح الرجل منهم جرحا مثخنا، لم يجهز عليه حتى يموت، إلا أن يكون قد وجب عليه القتل، وإذا هرب وكفانا شره لم نتبعه، إلا أن يكون عليه حد، أو نخاف عاقبته. ومن أسر منهم أقيم عليهم الحد الذي أقيم على غيره ومن الفقهاء من يشدد فيهم حتى يرى غنيمة أموالهم وتخميسها وأكثرهم يأبون ذلك.
فإما إذا تحيزوا إلى مملكة طائفة خارجة على شريعة الإسلام وأعانوهم على المسلمين قوتلوا لقتالهم وأما من كان لا يقطع الطريق ولكنه يأخذ خفارة أو ضريبة من أبناء السبيل على الرؤوس والدواب والأحمال ونحو ذلك فهذا مكاس عليه عقوبة المكاسين وقد اختلف الفقهاء في جواز قتله وليس هو من قطاع الطريق فإن الطريق لا ينقطع به مع أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الغامدية:"لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له" [مسلم 1695، أبو داود: 4442] . ويجوز للمطلوبين الذين تراد أموالهم قتال المحاربين بإجماع المسلمين ولا يجب أن يبذل لهم من المال لا قليل ولا كثير إذا أمكن قتالهم قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قتل دون ماله فهو شهيد, ومن قتل دون دمه فهو شهيد, ومن قتل دون دينه فهو شهيد, ومن قتل دون حرمته فهو شهيد" [مسلم: 141، الترمذي، 1440، أبو داود: 4772] .
وهذا الذي تسميه الفقهاء الصائل وهو الظالم بلا تأويل ولا ولاية فإذا كان مطلوبه المال جاز منعه بما يمكن فإذا لم يندفع إلا بالقتال قوتل وإن ترك القتال وأعطاهم شيئا من المال جاز وأما إن كان مطلوبة الحرمة - مثل أن يطلب الزنا بمحارم الزنا أو يطلب من المرأة أو الصبي المملوك أو غيره الفجور به - فإنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه بما يمكن ولو بالقتال ولا يجوز التمكين منه بحال بخلاف المال فإنه يجوز التمكين منه لأن بذل المال جائز وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة غير جائز.