فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 18

الكبير، قد لا يصل إليه الصغير، وما يصل إليه العالم، قد لا يصل إليه الجاهل، وما يصلح له المحتسب المولى، قد لا يصلح له المحتسب المتطوع، فرحم الله امرءًا عرف حده، فوقف عنده.

ومن هنا فرق أهل اللغة، بين الطلب الصادر من الكبير إلى الصغير، فسموه (أمرًا) ، وبين الطلب الصادر من المرء إلى مثله، فسموه (التماسًا) ، وبين الطلب الصادر من الصغير إلى الكبير، فسموه (رجاءً ودعاءً) .

ولكل نوع من هذه الأحوال والأساليب كلماته المنتقاة، وعباراته المتخيرة.

ولهذا، طلب سيدنا موسى عليه السلام، من ربه عز وجل، أن يرسل معه أخاه هارون إلى قوم فرعون، معللًا طلبه بحال خوفه منهم، حيث قتل منهم شخصًا، وبفصاحة لسان أخيه، فقد يمنعهم ذلك من القبول، أو يدعوهم إلى الانتقام، فقال كما يحكيه القرآن الكريم عنه: (( قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) ) [القصص:33 - 35] .

ومن هنا: قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة رضي الله عنهما يوم طاعون عمواس، لما قال له: (( أفرارًا من قدر الله ) )!؟ قال له: (( لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ... ) )"الحديث متفق عليه، انظر: البخاري (10/ 153و156) ، ومسلم رقم"

9 -أن تكون ملائمة مكافئةً للموضوع المتكلم فيه، والأمر المدعو له، والمنكر المنهي عنه:

فإن أسلوب الداعي إلى واجب، غير أسلوب الداعي إلى مندوب أو فضيلة أو ورع، وأسلوب الناهي عن حرام، غير أسلوب الناهي عن مكروه، وأسلوب إنكار المتفق عليه، غير أسلوب المختلف في حكمه، وأسلوب معالجة الكفر، غير أسلوب معالجة الخطأ والفسوق والعصيان ... وهكذا.

كما أن أسلوب إنكار المنكر العام المنتشر في المجتمع، والمتوارث بين الناس، والمدعوم من قبل السلطان، غير أسلوب إنكار المنكر العارض الطارئ، أو المنكر الخاص بشخص محدد، أو موقف معين.

فلا بد للداعية في مثل هذه المواقف، من مراعاة الفروق، والنظر في مدى قدرته على إزالة هذا المنكر، من غير أن يؤدي إلى منكر أكبر منه، كما عليه التخير بين الأساليب، وانتقاء العبارات بما يتلاءم مع الموضوع، ويؤدي إلى النتيجة المتوخاة من قول كلمة الحق، عملًا بقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، أو الموازنة بين المصالح المتعارضة، أو المفاسد المتعارضة، وإلا كان مسيئًا إلى كلمة الحق من حيث يريد الخير، ففي الحديث الشريف: (( ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه، ولا يغيرون، إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا ) )"رواه أبو داود وابن ماجه، انظر سنن أبي داود، رقم (4339) ، وابن ماجه (4009) ".

وفي رواية: (( ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، أعز منه وأمنع، ولم يغيروا عليه، إلا أصابهم الله عز وجل منه بعقاب ) )"انظر مسند أحمد (363/ 4) ".

وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية-رحمه الله-:

(وأصل هذا: أن تكون محبة الإنسان للمعروف، وبغضه للمنكر، وإرادته لهذا، وكراهته لهذا، موافقةً لمحبة الله وبغضه، وإرادته وكراهته الشرعيين، وأن يكون فعله للمحبوب، ودفعه للمكاره، بحسب قوته وقدرته، فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقد قال:(( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ) [التغابن:16] ).

فأما حب القلب، وبغضه، وإرادته، وكراهيته، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان.

وأما فعل البدن، فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته، فإنه يعطي ثواب الفاعل الكامل -كما قد بيناه في غير هذا الموضع-.

فإن من الناس من يكون حبه وبغضه، وإرادته وكراهته، بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله، وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه: (( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ) ) [القصص:50] .

ثم قال:

(ولما كان العمل لا بد فيه من سيئين: النية والحركة -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(( أصدق الأسماء: حارث وهمام ) )"الحديث في مسند الإمام أحمد (4/ 345) "، فكل أحدٍ حارث وهمام، له عمل ونية، لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله، ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل، والعمل المحمود: الصالح.

وإذا كان هذا حد كل عمل صالح، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحًا، إن لم يكن بعلم وفقه.

فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ومن الصلاح: أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود ... )"انظر (الفتاوى) بتصرف (28/ 131 - 136) ."

10 -أن تكون كلمة الحق مدروسةً، متبينًا فيها جانب الخير من جانب الشر، موازنًا فيها بين المصالح والمفاسد، فإذا شك الداعية في تحقق هذه الموازنة سكت وأمسك:

فقد جاء الحديث الشريف: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت ) )"الحديث متفق عليه، انظر البخاري (11/ 265) ، ومسلم (147) ".

يقول الإمام النووي-رحمه الله-: (وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة، فلا يتكلم) "رياض الصالحين، بتحقيق رباح"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت