فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 18

صحيحه (1/ 278 - 279) "."

فالرفق والرحمة واللين، معلم أساسي من معالم كلمة الحق، وضابط هام من ضوابطها، لا يخرج عنه الداعية إلا في حالات خاصة تقتضي حزما وشدة، فالحكمة وضع الشيء في محله.

5 -أن تكون بليغةً مؤثرةً تنفذ إلى القلوب والعقول لتغير فيها:

قال تعالى: (( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ) ) [النساء: 63] .

فالكلام البليغ المؤثر يمكن له أن يغير في النفس البشرية، عن طريق تحريك العاطفة، وإقناع العقل (( فإن من البيان لسحرًا ... ) )"هو حديث متفق عليه، انظر: فتح الباري (5146و5767) (9/ 201) (10/ 237) ، وصحيح مسلم بشرح النووي (6/ 158) ".

أما الكلام الجامد، فإن حصل منه التذكير، فقل أن يحدث في النفوس تغيرًا، ومهمة الداعية الأساسية التغيير، وليس مجرد التذكير، لذا كان عليه أن يجتهد في اختيار الأسلوب المؤثر والعبارة البليغة.

ومن هنا جاء كلام الله عز وجل بليغًا مبينًا، أثر في عقول البلغاء، وأعجز الفصحاء.

6 -أن تكون ملائمة لمستوى المخاطب بها:

أي منسجمة مع مستواه المادي والمعنوي، ليلائم كبر السن، وكبر المقام.

فالأسلوب الذي يصلح للصغير، قد لا يصلح للمعادل في السن، أو الكبير، وما يصلح للابن، قد لا يصلح للأخ أو للأب، وما يصلح للمحكوم قد لا يصلح للحاكم، ... وهكذا.

ومن هنا جاء قوله تعالى في مقام القول للآباء والأمهات:

(( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) ) [الإسراء:23] ، وقال أيضًا: (( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ) ) [الإسراء:28] .

وكذلك الأسلوب الذي يصلح مع الكافر، قد لا يصلح مع الفاسق، أو المؤمن، وما قد يصلح للمؤمن القوي الإيمان والسابق بالخيرات، قد لا يصلح للمقتصد، أو الضعيف الإيمان الظالم لنفسه، ... وهكذا.

فلكل مستوى من الناس الأسلوب المناسب له في دعوته ونصيحته، وأمره ونهيه.

وكثيرًا ما يلحظ الناس هذه الفوارق في تعاملهم الدنيوي وفي خطاب بعضهم لبعض، في الوقت الذي يغفل عنه بعض الدعاة في تعاملهم الدعوي، وفي أمرهم ونهيهم!!، وذلك مع وضوح هذه الفوارق، وبروزها في كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية!!.

فإن أي نظرة وتدبر في الخطابات القرآنية الموجهة إلى الكافرين، ومقارنتها بالخطابات القرآنية الموجهة للمؤمنين، والعاصين، تؤكد هذا الضابط، وتبرز أهميته.

وإن مقارنة سريعة مثلًا، بين موقفه صلى الله عليه وسلم من الشاب الضعيف الذي جاء يستأذنه في الزنا، وبين موقفه من الشاب القوي الذي كان متختمًا بالذهب، وأمثاله من المواقف النبوية، تكشف لنا خطر إغفال مثل هذه الفوارق الهامة بين المخاطبين"انظر حديث الشاب المستأذن في الزنا في مسند الإمام أحمد (5/ 256و257) ."

انظر حديث الشاب المتختم بالذهب في صحيح مسلم بشرح النووي (14/ 65) "."

7 -أن تكون ملائمة لحال المخاطب بها:

فالإنسان أيًا كان مستواه المادي والمعنوي، تختلف أحواله من وقت لآخر، بحسب ظروفه الداخلية والخارجية، فعلى صاحب كلمة الحق، أن يتبين حال المخاطب قبل أن يخاطبه، وإلا كان مردود الكلمة ضعيفًا، أو قد تؤدي إلى عكس النتيجة المتوخاة من ورائها.

فما يصلح من أسلوب لحال الفرح والابتهاج، قد لا يصلح لحال الحزن والألم، وما يصلح لحال الأمن والطمأنينة، قد لا يصلح لحال الخوف والجزع، وما يصلح لحال المقبل على النصيحة وطالبها، قد لا يصلح للنافر منها والهارب من سماعها.

كما أن ما يصلح لمخاطبة العدو، لا يصلح لمخاطبة الصديق، وما يصلح لمخاطبة المعاند والمجادل، لا يصلح لمخاطبة المستسلم، والجاهل، والمنصف.

ومن هنا: يظهر خطأ من يغفل مثل هذه الفوارق في دعوته، فيسوي في الأسلوب بين مخاطبة العدو والصديق، أو بين القريب والبعيد ... ويحتج لذلك بمثل مواقف كلمة الحق التي قيلت لأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، فما كان منهما إلا الترحيب بها، والشكر عليها!!.

وشتان ما بين كلمة حق تقال لطالب النصيحة، الحريص عليها، وبين كلمة حق تقال للهارب منها، والرافض لها!!

والعجب كل العجب ممن يسوي بين الحالتين!!.

8 -أن تكون ملائمةً لحال المخاطب ومستواه:

أي منسجمة مع مستواه المادي والمعنوي، وقدرته على إيصال كلمة الحق إلى أصحابها -كما هو مطلوب في حال المخاطب بها-.

فما قد يقبل من شخص عادة، قد لا يقبل من غيره، وما يغتفر لشخصٍ في موقف ما، قد لا يغتفر لغيره، وهذا واضح ملموس في حياة الناس، يعرفه الإنسان من نفسه، فبل أن يعرفه في الناس من حوله.

فلا يصح لصاحب كلمة الحق، تجاهل هذه الفوارق، وإن فعل لم يكن حكيمًا في فعله، فما يصل إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت