والدقاق، ص (574) "."
وجاء في الحديث الآخر: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب ) )"الحديث متفق عليه، انظر: البخاري (11/ 265) ، ومسلم (2988) ".
وما أكثر النصوص الشرعية المؤكدة على ضرورة تبين الكلمة ودراستها قبل إلقائها"انظر باب (تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان) في رياض الصالحين، ص (573 - 578) "، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- ما خلاصته:
( ... فمعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإتمامه بالجهاد، هو أعظم المعروف الذي أمرنا، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد من أن تكون المصلحة فيها راجحةً على المفسدة.
فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد ترك واجب، وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده، وليس عليه هداهم.
وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد، وهنا يغلط فريقان من الناس:
فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي، تأويلًا لهذه الآية: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) ) [المائدة:105] .
والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه، وإما بيده مطلقًا من غير فقهٍ وحلم وصبر، ونظرٍ فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر ... فيأتي بالأمر والنهي معتقدًا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله، وهو معتدٍ في حدوده، كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء، كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وغيرهم من غلطٍ فيما أتاه من الأمر النهي والجهاد على ذلك، وكان فساده أعظم من صلاحه، ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة، ونهى عن قتالهم، ما أقاموا الصلاة، وقال: (( أدوا إليهم حقوقهم، وسلوا الله حقوقكم ) )"الحديث في البخاري ومسلم بلفظ: (( تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ) )، انظر: البخاري (13/ 4) ،ومسلم (1843) ".
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة، لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء -كالمعتزلة- فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم.
وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع، وجماع ذلك داخل القاعدة العامة، فيما إذ تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإن يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، تعارضت المصالح والمفاسد.
فإن الأمر والنهي -وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة- فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته.
لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد، هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الله الإنسان على اتباع النصوص، لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها، وبدلالتها على الأحكام.
وعلى هذا: إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا، أو يتركوهما جميعًا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر، أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات.
وإن كان المنكر أغلب، نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر، الزائد عليه، أمرًا بمنكر، وسعيًا في معصية الله ورسوله.
وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان، لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور (المعينة الواقعة) .
أما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقًا، وينهى عن المنكر مطلقًا، وفي الفاعل الواحد، والطائفة الواحدة، يؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه، أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر، حصول أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمران، استبان المؤمن، حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيًا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن هذا الباب: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي، وأمثاله من أئمة النفاق، والفجور، لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه، مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، لغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه، ولهذا لما خاطب الناس في قصة الإفك بما خاطبهم به، واعتذر منه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه، حمي له سعد بن عبادة رضي الله عنه مع حسن إيمانه ))"انظر الفتاوى (28/ 126 - 131) ، بتصرف".
ويقول في مقام آخر:
(( ... ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات، وترك واجب، أعظم مما يحصل