فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 18

بفعلهم المنكر والذنوب.

وإذا كان قوم على بدعة وفجور، ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هو عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة، لم ينهوا عنه ))"انظر الفتاوى (14/ 472) ، تصرف".

وفي مثل هذا: يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-:

( ... فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا: كالإنكار على الملوك بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر) .

وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذي يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: (( لا ما أقاموا الصلاة ) )وقال: (( من رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر، ولا ينزعن يدًا من طاعة ) ).

ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه.

فقد كان صلى الله عليه وسلم، يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة، وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت، ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه، خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش ذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.

فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، والثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة: موضع اجتهاد، والرابعة: محرمة.

فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج، كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النشاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك.

وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب، أو سماع مكاءٍ وتصديةٍ، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفر عنهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك.

وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها، وخفت من نقله عنها، انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى ... وهذا باب واسع.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه، ونور ضريحه- يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال فدعهم ... )) ثم ذكر أمثلة عديدة لمثل هذه الموازنات ودلل عليها)"انظر: إعلام الموقعين (3/ 4 - 15) ".

11 -أن تكون كلمة الحق خالصة لله، متجردة في غاياتها، والمقصد من قولها:

وهذا شرط أساسي في قبولها عند الله، وتأثيرها في الناس، لأن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وكان صوابًا، وقد جاء في الحديث الشريف: (( إنما الأعمال بالنيات ... ) )"الحديث متفق عليه. انظر: البخاري (1/ 7 - 15) ،ومسلم (1907) ".

وإذا غفل الداعية عن ملاحظة هذا الضابط انقلبت كلمة الحق الصادرة عنه، ونصيحته في بعض المواقف إلى نوع من أنواع الرياء، أو شكل من أشكال التشهير بالمدعو، وفضح المنصوح وإهانته، فيحبط بذلك عمله، وتفقد الكلمة أثرها، فيسيء من حيث يريد الإحسان.

وغالبًا ما يحدث مثل هذا في حال نصح الصغير للكبير، أو حال بغض الناصح لمن ينصح، وقد جاء في الحديث الشريف: (( من أهان السلطان أهانه الله ) )"الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. انظر: سنن الترمذي (2225) ، ورياض الصالحين ص304".

ومما يعين على تحقيق هذا الضابط، أن تكون النصيحة في السر، يقول العلامة ابن رجب الحنبلي في كتابة (جامع العلوم والحكم) :

(وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحدٍ، وعظوه سرًا، حتى قال بعضهم:

(( من وعظ أخاه سرًا فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس، فإنما وبخه ) ).

وقال الفضيل بن عياض: (( المؤمن يستر وبنصح، والفاجر يهتك ويعير ) )"انظر (جامع العلوم والحكم) ،ص77".

وقد سئل ابن عباس رضي الله عنه عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: (( إن كنت فاعلًا ولا بد، ففيما بينك وبينه ) )"انظر (جامع العلوم والحكم) ،ص77".

وقد التبس على بعض الناس اليوم، مثل هذا الضابط، فقالوا: إنما تكون النصيحة سرًا، إذا كان المنكر سرًا، وتكون جهرةً إذا كان المنكر ظاهرًا، وليس الأمر كذلك، وإنما يناط شكل النصيحة بمدى قناعة الناصح بتأثيرها في المنصوح، ذلك لأن غايته التغيير للمنكر، وليست غايته من نصيحته التشهير والتعيير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت