وإذا صلح أسلوب التشهير والتعيير يومًا ما طريقًا إلى التعيير، فإنما يكون صادرًا من الكبير تجاه الصغير، ومن الحاكم تجاه المحكوم، وليس العكس، ويكون عندئذ شكلًا من أشكال العقوبة والتعزير الذي يملكه الولاة والقضاة حصرًا.
وقد نبه الإمام النووي -رحمه الله- إلى أهمية هذا الضابط، وكيف يغلط الناس فيه، ويلبس فيه الشيطان عليهم، عند حديثه عما يباح من الغيبة، فقال ما خلاصته:
(( اعلم أن الغيبة تباح لفرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أبواب:
الأول: التظلم.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب.
الثالث: الاستفتاء.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفقهه أو ببدعته.
السادس: التعريف.
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء، وأكثرها مجمع عليه، ودلائلها من الأحاديث الصحيحة مشهورة، ثم روى عدة أحاديث في ذلك ))"انظر (رياض الصالحين) بتحقيق رباح والدقاق، ص (580 - 584) ".
12 -أن تكون الكلمة عادلةً متوازنة، مكافئة لما قيلت فيه، بعيدة عن الظلم والبغي، متجردةً عن ردود الأفعال:
قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) ) [النحل:90] .
وقال أيضًا: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) ) [المائدة:8] .
وجاء في الحديث الشريف:
(( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) )"الحديث سبق تخريجه".
وقد نبه الإمام ابن تيمة على أهمية هذا الضابط، فقال:
(( وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه، فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشر قديمًا وحديثًا، إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهله من نوع آخر.
ومن تدبر الفتن الواقعة، رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها، ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها، ومن تبعهم من العامة من الفتن هذا أصلها ... ))"الفتاوي (28/ 142 - 143) ".
ومن مظاهر ردود الأفعال المخرجة لكلمة الحق عن العدل، أن يقابل المرء من أنكر عليه في شيء، بالإنكار على المنكر في بعض منكراته، ليصرفه بذلك عن إنكاره عليه، أو يتشفى منه بذلك، كما يقع فيه كثير من الدعاة المبتدئين، أو العامة المقلدين غيرهم في الأمر والنهي ...
فيقول أحدهم للآخر: لم تفعل كذا، أو لا يجوز لك أن تفعل كذا ... ؟ فيجيبه الآخر: وأنت لم تفعل كذا، ولا يجوز لك أن تفعل كذا، يذكر له منكرات يقع فيها، كان ساكتًا عنه لولا أنه أمره ونهاه.
13 -أن لا يخالف كلمة الحق، فعل قائلها:
إن مخالفة القول للعمل يفقد الكلمة أثرها، ويعاقب عليها صاحبها، إذ إن حاله عندما يخالف عمله قوله، حال من يكذب نفسه نفسه، ويكفي في أثرها السيئ أن يقول الناس: لو كان هذا صادقًا في قوله، لحرص قبل غيره على هذا الخير الذي يدعو إليه!!
ومن هنا: جاء الوعيد الشديد لمن خالف هذا الضابط، فقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) [الصف:3،2] .
وقال أيضًا: (( أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) ) [البقرة:44] .
وقال مخبرًا عن شعيب عليه السلام: (( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) ) [هود:88] .
وجاء في الحديث الشريف:
(( يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ) )"الحديث متفق عليه، انظر: البخاري (6/ 238) ،ومسلم (2989) ".
14 -أن لا يخاف في قول كلمة الحق لومة لائم:
فإن على الداعية أن يؤثر الحق على الخلق، ويحرص على رضاء الله عز وجل، لا يصرفه عن قول كلمة الحق صارف، ما دامت حقًا في ذاتها، وتقال بشروطها وضوابطها.
وعليه أن يصبر على ما يلاقيه في سبيلها من بلاء وابتلاء، قال تعالى حكاية عن لقمان الحكيم: (( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) ) [لقمان:17] .
وجاء في الحديث الشريف: