(( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم ) )"الحديث متفق عليه، انظر البخاري (13/ 5و6و167) ، ومسلم (1709) ".
وفي بيان واجب الصبر في الأمر والنهي يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-:
(( وهذا عام في ولاة الأمور والرعية، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله، كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم، فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى، وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب ) )"الحديث متفق عليه، انظر البخاري (13/ 5و6و167) ، ومسلم (1709) ".
إلى غير ذلك من ضوابط عامة، مفصلة ومجملة يمكن أن تلحق بها، أو تدخل فيها.
وأختم حديثي عن ضوابط كلمة الحق بأقوال لبعض الأئمة اشتملت على ضوابط عديدة، تصلح في مجملها تأكيدًا على تلك الضوابط السابقة، وتشتمل على فوائد عديدة، منها:
ما ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال:
(( ... فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبًا في هذه الأحوال ) ).
وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف، ورووه مرفوعًا، ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد:
(( لا يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه ) ).
وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يوجب صعوبةً على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه فيدعه، وذلك مما يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال، أو أقل.
فإن ترك الواجب معصية، فالمتنقل من معصية إلى معصية، كالمتنقل من دين باطل إلى دين باطل، وقد يكون الثاني شرًا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي، والمعتدي فيه، قد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكون ذنب هذا أعظم ))"الفتاوى (28/ 137 - 138) ".
ويقول في موطن آخر ما خلاصته:
(( وهذا باب التعارض، باب واسع جدًا، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة، وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات، وقع الاشتباه والتلازم.
فأقوام ينظرون إلى الحسنات فيرجون هذا الجانب، وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجون في هذا الجانب الآخر، وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين، قد لا يتبين لهم، أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيئات، لكون الأهواء قارنت الآراء.
فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل .. فالعالم تارةً يأمر، وتارةً ينهى، وتارةً يبيح، وتارةً يسكت عن الأمر والنهي أو الإباحة، كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح، وعند التعارض يرجح الراجح -كما تقدم- بحسب الإمكان.
فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن: إما لجهله، وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه، كما قيل: (( إن من المسائل مسائل جوابها السكوت ) )كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء، والنهي عن أشياء، حتى علا الإسلام وظهر.
فالعالم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آياتٍ، وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيانها.
والحجة على العباد، إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي.
فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء، أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا، بمنزلة بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملةً، كما يقال: (( إذا أردت أن تطاع، فائتمر بما يستطاع ) ).
فذلك المجدد لدينه، والمحيي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ... ))"الفتاوى (20/ 57 - 60) ".
ومن ذلك: ما ذكره الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان في أحكام الحسبة، حيث يقول:
(( .. كما يستحب الاحتساب إذا علم المحتسب أن إنكاره يفيد، ولكن يلحقه أذى، ووجه الاستحباب: إزالة المنكر مع تحمله الأذى، وحتى إذا علم المحتسب أن احتسابه لا يفيد المحتسب عليه، ولا يمنعه من منكره، ولكن احتسابه يفيد من ناحية أخرى، كأن تقوى به قلوب المؤمنين، وتنكسر أو تضعف شوكة الفاسقين، أو يمهد لإزالته، ففي هذه الأحوال يصير محتسبًا برغم الأذى الذي يناله، ما دام يتحمله، ولا يتعدى إلى غيره.
وكذلك يحرم الاحتساب إذا أدى إلى وقوع منكر أكبر من المحتسب عليه، مع لحوق الأذى بالآخرين ... ))"انظر (أصول الدعوة) ، ص191 بتصرف".