وختامًا للضوابط أقول:
إنه لا يمكن أن يتحقق السداد في الكلمة، إلا بمجموع هذه الشروط والضوابط السابقة، ولا يتوصل إلى هذا السداد المطلوب إلا بالعلم بالحق، والبصيرة بالمنهج، وأن يعمل كل امرئ في حدود علمه وقدرته، ويدع غير ذلك إلى من هو أعلم منه وأقدر، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وإن مما يساعد على تحقيق السداد، التفريق بين القضايا العامة والعملية، والقضايا الخاصة والنظرية.
فإذا تولى الفرد، والعقل الخاص معالجة القضايا الخاصة، والنظرية، وعالجها في ضوء عقله واجتهاده.
وترك معالجة القضايا العامة، والعملية إلى الجماعة، والعقل العام في ضوء الموازنة بين الإمكانات والواجبات، كان ذلك أدعى إلى السداد، وأقرب إلى الرشاد وأكثر تحقيقًا للإيجابيات من جهة، وأدفع للشرور والسلبيات، وأبعد عن الوقوع في الفتن من جهة أخرى، والله المسدد والمعين.
خاتمة بمناقشة بعض الشبهات الواردة حول هذه الضوابط
خاتمة بمناقشة بعض الشبهات الواردة
حول هذه الضوابط
هناك شبهات تدور في أذهان بعض الناس، حول اشتراط مثل هذه الشروط والضوابط لقول كلمة الحق، لا بد من الوقوف عليها، ومناقشتها استكمالًا للفائدة، وتوضيحًا للحقيقة.
ولعل من أبرز هذه الشروط والضوابط لقول كلمة الحق، تجعل قولها عسيرًا دقيقًا، لا يقدر عليه إلا نخبة من الدعاة والعلماء المتخصصين والمتمرسين، مما يجعل الناس يعرضون عن قولها، ويتكلمون فيها على غيرهم، مع أن الدعوة واجبة على كل مسلم!!
2 -إن من تتبع سيرة السلف الصالح في قول كلمة الحق يجدها لم تجتمع فيها دائمًا مثل هذه الضوابط، ولم تكن رفيقةً لينة دائمًا، فكثيرًا ما كان يغلظ بعضهم فيها الحكام وغيرهم، ويعرضهم ذلك للعقاب، والقتل أحيانًا! فلم تلزمون المسلمين جميعًا بمثل هذه الضوابط؟ ألا يسعهم فيها ما وسع غيرهم من السلف؟!
3 -كيف يصح قياس حكم قول كلمة الحق أمام السلطان الجائر، على حكم عدم جواز الخروج عليهم؟! مع أن النصوص جاءت في المنع من الخروج عليهم، كما جاءت بالأمر بالصدع بكلمة الحق، والترغيب بقولها أمامه، حتى ولو أدت بصاحبها إلى القتل!؟
وسأتناول هذه الشبهات شبهةً شبهة فيما يلي:
(1) -الإجابة عن الشبهة الأولى القائلة: بأن كثرة هذه الضوابط والشروط لقول كلمة الحق، تجعلها عسيرة دقيقة، لا يقدر عليها إلا نخبة من الدعاة والعلماء ...
إن الدعوة إلى الله عز وجل، وقول كلمة الحق واجب على كل مسلم بقدر استطاعته، ولا ينكر اختلاف القدرات والإمكانات وتفاوتها، فكل يجب عليه ذلك بقدر إمكاناته واستطاعته، فإذا تجاوز إمكاناته وقدراته في ذلك كان متعديًا، كما أنه قصر فيها مع إمكاناته وقدراته كان مقصرًا.
وإن من الأمور المأمور بها، والمناهي المنهي عنها، ما هو واضح بين، ومنها ما هو غامض دقيق أيضًا.
فما كان من ذلك واضحًا بينًا، فلكل داعيةٍ أن يقوم به، وعليه أن يجتهد في تحقيق تلك الشروط والضوابط قدر استطاعته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وما كان غير ذلك، بأن لم يكن واضحًا بينًا، أو يتردد المرء في تقويم ما يترتب عليه من مصلحة أو مفسدة، يجب عليه أن يتركه لمن يقدر عليه، فلكل مستوى من الأمور أهله ورجاله، فإذا أقدم عليه من غير بصيرةٍ أثم وعد متجاوزًا ظالمًا، قال تعالى: (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ) [الإسراء:36] .
وقد سبق معنا في الضابط العاشر قول الإمام النووي -رحمه الله- تعليقًا على حديث (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت ) )حيث يقول:
(( وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة، فلا يتكلم ) )"رياض الصالحين، ص574".
كما سبق قول ابن تيمية فيه:
(( ... والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقًا من غير فقه وحلم وصبر، ونظرٍ فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر .. فيأتي بالأمر والنهي معتقدًا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله، وهو معتدٍ في حدوده .. ) )"الفتاوى (28/ 126) ".
ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام الفرق بين (التغيير) و (التذكير) ، فإن تغيير المنكر باليد أو اللسان، قد لا يقدر عليه إلا المصلحون من الدعاة المتمرسين، أما (التذكير بالأمر والنهي) فيقدر عليه الصالحون من المسلمين جميعًا، فلكل عمله وميدانه.
كما أن مجرد التذكير قد ينفع المؤمن التقي الصالح إذا وقع في خطأ، فيفيد مع صنفي السابق بالخيرات، والمقتصد، إذا غفلا في موقف، أو وقعا في خطأ.
أما الظالم لنفسه، والبعيد عن أمر ربه لضعف إيمانه، فقد لا ينفع معه التذكير وحده، وإنما لا بد من خطة تغييرية شاملة، يحسنها المتخصصون من الدعاة.
ومن هنا جاء قوله تعالى: (( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الذاريات:55] . أما غيرهم من ضعفاء