الإيمان، فلا يكفي معهم تذكير، ولا كلمة تقال.
وليعلم الدعاة أن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغاية منه تغيير المنكرات، لا التذكير بها، ولا يخفى على أحد الفرق بين متطلبات التذكير ومتطلبات التغيير، من هنا جاء في الحديث إشارة إلى هذا الأصل والغاية، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
(( من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ... ) )"سبق تخريجه (ص25) ".
فعلى كل داعية أن يتحرك في حدود دائرته وإمكاناته، ورحم الله امرءًا عرف حده فوقف عنده. فإذا تعدى الحدود، وتجاوز الدائرة كان متعديًا ظالمًا، ولا يدفع عنه وصف التعدي والظلم، بحسن نيته وقصده.
وفي هذا يقول ابن تيمية -رحمه الله-:
(( ... وإذا اشتبه الأمران، استبان المؤمن، حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلمٍ ونية، وإذا تركهما كان عاصيًا ... ) )"الفتاوى (28/ 126 - 131) ".
وإذا كان مثل هذا الفارق مسلمًا به في العبادات الفردية، فيطالب كل إنسان فيهما بقدر استطاعته، ولا يكلف بأكثر من ذلك، فإن التسليم به في العبادات المتعدي أثرها على الآخرين من باب أولى، ومن أعظم هذه العبادات المتعدية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولعل مما يزيد هذا الفرق وضوحًا التمثيل له باختلاف دائرة الطبيب المتخصص ومتطلباته، عن دائرة الطبيب العام ومتطلباته.
فإن لكل منهما ميدانه، وواجباته، فإذا قصر أو تعدى، كان مؤاخذًا، ولم يعهد في عرف الطب، أن يتكل فريق في المعالجة على فريق، نظرًا لتلك الفوارق في الإمكانات والمتطلبات، وإن عهد فيه أحيانًا بعض التجاوزات العملية، كما يقع أحيانًا من بعض الدعاة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ومن هنا اقتضت الحكمة التفريق في المنكرات الواقعة التي يراد تغييرها، بين المنكرات الفردية العارضة، وبين المنكرات العامة المستحكمة.
فإذا كانت المنكرات الفردية العارضة، يكفي لتغييرها النشاطات الفردية، والاجتهاد الخاص، فإن المنكرات العامة المستحكمة، لا بد لها من نشاطات جماعية، وعقل عام، يخطط لتغييرها، ويوازن في سبيل ذلك بين الإمكانات والواجبات من جهة، وبين المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك من جهة أخرى.
(2) -أما الشبهة القائمة على ورود نماذج من قول كلمة الحق عن عدد من السلف، دون أن تتحقق فيها الشروط والضوابط المذكورة .. فأقول في الإجابة عنها:
لا ينكر أحد استخدام بعض السلف لأسلوب الشدة والغلظة أحيانًا في الأمر والنهي للولاة والحكام وغيرهم، حتى أصبح طابعًا متميزًا لبعضهم -رحمهم الله-.
ولكن ورود ذلك عنهم، لا يبرر لأحد أن يتخذه قدوة مطلقة في هذا المقام، بل على الداعية أن ينظر في وقائعهم وتجاربهم الدعوية في ضوء الأصول والمصادر الأساسية، فما كان منها منسجمًا معها، متمشيًا مع تلك الأصول، جاز أن يتخذ أسوة، وما خرج عنها من ذلك، لا يتابع عليه أصحابه، ويعد خطأًً اجتهاديًا، ويرجع فيه إلى الأصول والمصادر، وما من أحدٍ إلا ويؤخذ منه ويرد، إلا القدوة المطلقة المحصورة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويكفي في رد الاعتماد على مثل هذه الأساليب الخارجة عن القواعد والضوابط مخالفتها للأصول الشرعية من جهة، ومعارضتها لمواقف عديدة أخرى لغيرهم من السلف -رحمهم الله جميعًا- من جهة أخرى، وليس موقف الطرف المعارض للأصول الشرعية مقدمًا على المواقف الأخرى الموافقة لها، والمنسجمة معها، فلا يدفع هذا ذاك.
ولعل مما يساعد على تعميق هذه الشبهة في حياة بعض الدعاة وانتشارها، غفلة كثير من العلماء وسكوتهم عن نقد الخطأ في مثل هذه المواقف المنقولة عن بعض سلف هذه الأمة، حيث أوردوا هذه القصص والمواقف معجبين بها من وجه من الوجوه، كالجرأة في قول كلمة الحق، أو بلاغة أسلوبها، وعظيم تأثيرها، فشغلهم هذا الإعجاب عن نقد الوجه الآخر الخطأ، وسكتوا عنه، مما أخل بضابط التوازن والعدل، فجعل الناس يروونها على سبيل الإعجاب بها، غافلين عن مواطن الخلل فيها ... فينسحب الإعجاب على جميع الوجوه، من غير أن يريد العلماء ذلك أو يخطر ببالهم.
وكثيرًا ما يحدث قريب منه اليوم، حيث يعجب المرء بموقف من المواقف فيشيد به للحيثية التي أعجب بها، دون نظر أو إشارة إلى خلل فيه، فيفهم السامعون لذلك مدح الموقف من كل جهة، من غير أن يكون ذلك المدح مرادًا لمن أشاد بالموقف وأعجب به.
فالعدل في الاتباع لغير الرسل الكرام عليهم السلام: أن تعرض سيرتهم على الأصول الشرعية، وأن يحرص عليها بقدر انسجامها معها وموافقتها لها، وإذا كان للعالم المجتهد المخطئ عذر وأجر، فليس من أجر ولا عذر للأتباع في اتباع الخطأ، إذا ما ظهر لهم ذلك.
ولا ننسى أن بعض الحكام والولاة في الماضي أنكروا على بعض الدعاة والوعاظ موقفهم وأسلوبهم، كما صبر بعضهم على هذه الشدة، تقديرًا لأصحابها، وثقة منهم في صلاح نياتهم ... ولا يعني صبرهم عليها إقرارًا لهم على أسلوبهم.