وقد روي أن بعضهم قال معاتبًا ومصححًا لمن اشتد عليه في النصيحة، وأغلظ له في القول: (( يا هذا، لقد أرسل الله من هو خير منك، إلى من هو أسوأ مني، وقال لهم: (( فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ) [طه:44] .
وإذا كان الحكام والولاة مأمورين بالحلم والصبر على الرعية، إذا ما أساءوا أو ظلموا في أسلوبهم، ولا سيما من الدعاة الصالحين والعلماء، فإن الدعاة أيضًا مأمورون بإنزال الناس منازلهم، والتقيد بالرفق واللين في نصحهم ووعظهم.
وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-:
(( وهذا عام في ولاة الأمور، والرعية، إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله، كما يصبر المجاهدون على ما يصيبهم من أنفسهم وأموالهم. فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى، وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويندرج في ذلك ولاة الأمور، فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم، لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك.
فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها، إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك، إذ كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه، فكذلك يجب على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم، إذا لم يكن في ترك الصبر ترك مفسدة راجحة، فعلى كل من الراعي والرعية للآخر حقوقًا يجب عليه أداؤها، كما ذكر بعضه في كتاب (الاجتهاد والقضاء) ، وعليه أن يصبر للآخر ويحلم عنه في أمور، فلا بد من السماحة والصبر في كل منهما، كما قال تعالى: (( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) )وفي الحديث: (( أفضل الإيمان السماحة والصبر ) )ومن أسماء الله: الغفور الرحيم، فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يوصل إليهم المنافع، فيجمع جلب المنفعة ودفع المضرة، فأما الإمساك عن ظلمهم، والعدل عليهم فوجوب ذلك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه، والله أعلم ))"الفتاوى (28/ 180 - 181) ".
ومع هذا: فإننا نستطيع أن نجزم بأن الشدة والغلظة في أسلوب وعظ الحكام، وغيرهم ونصحهم -وإن كانت جائزة إذا لم تؤد إلى شر- فإنها غير مستحسنةٍ شرعًا وعقلًا:
أما شرعًا: فلمثل قوله تعالى: (( فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ) [طه:44] .
وإذا كان القول اللين مطلوبًا مع فرعون، فهو مطلوب مع غيره من باب أولى.
ولمثل قوله تعالى: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) ) [آل عمران:159] .
ولمثل قوله تعالى: (( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) [فصلت:35:34] .
ولمثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( الرفق ما وجد في شيء إلا زانه، وما فقد من شيء إلا شانه ) )"الحديث سبق تخريجه".
ولمثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( من يحرم الرفق، يحرم الخير كله ) )"الحديث سبق تخريجه".
وواضح أنه لا تلازم بين قول كلمة الحق، وبين الشدة في أسلوب قولها، والغلظة فيها!!.
أما عقلًا: فقد اتفق العقلاء على أن أسلوب الشدة والغلظة إذا صدرا من الصغير تجاه الكبير، أو من الابن تجاه والده، أو التلميذ تجاه أستاذه، يعدان من الأساليب السيئة المذمومة، وخروجًا عن الأدب المأمور به عقلًا وشرعًا.
وإذا تسامح الناس في قبول هذا الأسلوب أحيانًا، فإنه يكون ذلك في حال صدوره من الكبير تجاه الصغير، ولا العكس، ويعدونه حينئذٍ من باب التأديب والتعزير، وما أعظم الفرق بين مقام التأديب والتعزير، وبين مقام النصيحة والموعظة والتذكير!!.
وقد أكدت التجارب العملية: أن ما عجز فيه الصغير أن يصل إليه من الكبير عن طريق اللطف واللين، فإنه لا يصل إليه عن طريق الشدة والغلظة.
ومن هنا كان عزل الخلفاء، عندما تغلب مفسدة بقائهم على مفسدة عزلهم، منوطًا بأهل الحل والعقد وحدهم مجتمعين، فهم الذين يملكون هذا الحق وحدهم، لأنهم بمجموعهم يشكلون قوة ضاغطة تلجئ الحاكم إلى النزول عند قرارهم، ويمكنهم بذلك دفع المفسدة الكبرى بالصغرى.
وفي ختام مناقشة هذه الشبهة أقول:
إن القدوة المطلقة محصورة في الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن الضوابط والأحكام تؤخذ من النصوص الشرعية لا من التجارب والوقائع، وإنما يستفاد من وقائع العلماء وتجارب الدعاة في ضوء النصوص الشرعية.
فإذا جاءت تجربة أحد الدعاة من السلف أو الخلف منسجمة مع النصوص والضوابط الشرعية، كانت قدوة صالحة للآخرين، وإلا فلا يتابع عليها، ولا يقلد فيها، وإن كانت بالنسبة إليه -إن كان من أهل الاجتهاد- اجتهادًا يؤجر عليه ولو أجرًا واحدًا، ولا ينكر عليه فيه.
وإذا ورد عن السلف اجتهادان متغايران في موقف واحد، وكان كل كنهما جائزًا، فالإنسان العاقل، والداعية الحكيم هو الذي يختار منهما ما يراه الأصلح في وقته، والأجدى في عصره، بعد أن يدرس من نتائج كل من الاجتهادين السابقين.
وليس العاقل الذي يقلد هذا الاجتهاد أو ذاك، لمجرد صدوره عمن سبق، فيكرر بذلك ما فعلوه دون اعتبار أو عظة.
ومن هنا: اختلف موقف الإمام أبي يوسف في تولي القضاء، عن موقف شيخه الإمام أبي حنيفة -رحمهما الله تعالى-.