فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 18

واختلف موقف الحسن رضي الله عنه عن موقف كل من والده علي ومعاوية رضي الله عنهما، فتنازل لمعاوية رضي الله عنه، على الرغم من قناعته بسلامة وجهة نظر والده في خلافه مع معاوية رضي الله عنهما، وكان موقفه هو القدوة لمن بعده في مثل هذه المواقف، ويكفيه أن أشاد بموقفه وبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع به الأمة بعد افتراق واقتتال.

(3) -أما الشبهة المستنكرة قياس حكم قول كلمة الحق أمام السلطان الجائر، على حكم الخروج على الحكام؟! فأقول في مناقشتها:

إن قياس هذه المسألة على تلك قائم على اجتماع العلة واتحادها في المسألتين، حيث اتفق العلماء على تعليل عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم بعلة الفسق أو الظلم، الذي صرحت به النصوص الشرعية الكثيرة، أنها هي: ترجيح أدنى المفسدتين، واختيار أهون الشرين، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعبرة بعموم الفظ لا بخصوص السبب.

فكلما اجتمعت مفسدتان، كان الواجب الشرعي: دفع المفسدة الكبرى بالصغرى، فعلى العالم والمجتهد فيها أن يوازن بين المفسدتين، أو بين المصلحتين، فيختار باجتهاده المصلحة الكبرى ويقدمها على الصغرى، كما أن عليه أن يدفع المفسدة الكبرى بالصغرى.

فإذا اقتصرت المفسدة المتوقعة من الصدع بكلمة الحق في موقف من المواقف على قائلها، وكان عند صاحبها من القدرة على تحمل الأذى في سبيلها، كان له أن يقولها -بضوابط أسلوبها- ولو أدى ذلك إلى عذابه وقتله، كما أن له أن يحجم عن قولها ويمسك عنها عملًا بالرخصة.

أما إذا غلب على ظنه عدم قدرته على تحمل الأذى، وخوفه من الافتتان بسببها في دينه، فليس له أن يقدم عليها.

فكيف به إذا غلب على ظنه، أو ظن إخوانه من الدعاة، أن الصدع بكلمة الحق في موقف من المواقف، سيجر عليه وعلى غيره الأذى، وهم غير قادرين على تحمله، أو أن المفسدة المترتبة على ذلك أكبر من مفسدة السكوت عن الكلمة!!.

إنه بلا شك: لا يجوز له عندئذ الإقدام على ذلك، دفعًا للأذى عن غيره من جهة، وردءًا للمفسدة الكبرى بالصغرى من جهة أخرى.

وقد سبقت نقول كثيرة تؤكد هذه النتيجة في التدليل على الضابط العاشر من ضوابط كلمة الحق، في كلام الإمام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم -رحمهم الله جميعًا-.

وأنقل هنا كلامًا للأستاذ الدكتور: عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة) حيث يقول في أحكام الحسبة:

(( ويحرم الاحتساب إذا ألحق المحتسب من جرائه أذى جسيمًا بغيره من أصحابه، أو أقربائه، أو رفقائه، أو عموم المسلمين، حتى ولو قدرنا زوال المنكر، لأنه يفضي إلى منكر آخر، وهو إلحاق الأذى بالآخرين، وهذا لا يجوز، لأن للمسلم أن يتسامح في حق نفسه، ويتحمل الأذى، ولكن ليس من حقه أن يتسامح في إيذاء غيره عن طريق احتسابه، وكذلك يحرم الاحتساب إذا لم يكن من ورائه إلا إلحاق الأذى الجسيم بنفسه، كقتله أو هتك عرضه، دون أن يكون لاحتسابه أي مصلحة، أو أي أثر في إزالة المنكر ودفعه ... ) )"انظر (أصول الدعوة) ص191".

هذا جانب في مناقشة الشبهة، أما الجانب الثاني:

فلا ننسى أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام قائمة على أساس المحبة والنصيحة، لا على أساس الكراهية والفضيحة، فقد جاء في الحديث الشريف:

(( الدين النصيحة: قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ) )"الحديث سبق تخريجه".

يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث نقلًا عن الإمام الخطابي وغيره:

(( والنصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم.

قال الخطابي -رحمه الله- ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم، إذا ظهر منه حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح، وهذا كله على المراد بأئمة المسلمين: الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات، وهذا هو المشهور ))"شرح مسلم للنووي (2/ 38 - 39) ".

ويقول الإمام النووي في بيان النصيحة لعامة المسلمين:

(( وهو من عدا ولاة الأمر: فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم ... ) )"شرح"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت