مسلم للنووي (2/ 39) "."
وبهذا تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم أشبه ما تكون بعلاقة الأب بابنه، والابن بأبيه، ولا تخفى آداب مثل هذه العلاقة ومتطلباتها.
أما الجانب الثالث:
فإن هناك في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ما يمكن أن نسميه تذكيرًا للحاكم أو تغييرًا له، أما التذكير للحاكم، فقد يتمكن منه كل فرد من أفراد المسلمين عملًا بواجب النصيحة العام بشروطها وضوابطها. أما التغيير له فيكون بمعنى: تغيير منكر متسبب فيه، أو يحميه بقوة سلطانه، كما يكون بمعنى: تغييره وعزله عن منصبه.
والتغيير هنا بنوعيه، حق لأهل الحل والعقد في الأمة مجتمعين وحدهم، وليس حقًا لأي فردٍ أو مجموعة من الأمة، فهم بمجموعهم يشكلون قوة أكبر منه، فهم الذي بايعوه أو أقروا سلطانه، وهم الذين يملكون حق عزله وتغييره، إذا غلبت مصلحة تغييره على مفسدة بقائه واستمراريته، فإن استجاب لهم، وإلا زانوا بين إمكاناتهم وقدرتهم على إزالته، وبين واجبهم على تغييره من جهة أخرى.
فإن كانت نتيجة الموازنة بوجهيها الحكم بعزله، والخروج عليه، استعانوا الله على ذلك، وفعلوا ما يقدرون عليه، وعد ذلك شكلًا من أشكال الجهاد في سبيل الله، والتغيير باليد، والأخذ على يد الظالم.
وإن كانت الموازنة غير ذلك: صبروا على ظلمه وجوره، وأعطوه ما له من سمعٍ وطاعةٍ في المعروف، وسألوا الله مالهم عنده -كما تفيده مجموعة الأحاديث الصريحة-.
أما أن ينقلب تذكير الحاكم إلى تشهير، فإن ذلك تأباه القواعد الشرعية وترفضه العقول السليمة.
فالتشهير بالأخطاء، والتحريض للغوغاء، ليسا من التذكير والتغيير المأمور به في شيء، وإذا صدر من الرعية تجاه الحاكم، من غير تلك الموازنة السابقة بشروطها، عد ذلك سبيلًا إلى الخروج المنهي عنه، وأدى إلى نتائج لا يحمد عقباها، وإن للوسائل في الشريعة الإسلامية حكم المقاصد والغايات.
وأختم حديثي في مناقشة هذه الشبهة بقول الإمام أبي حامد الغزالي -رحمه الله- حيث يقول في الإحياء في مقام كلامه عن المحتسب المتطوع ما نصه:
(( ... وإذا كان يؤدي ذلك، إلى أذى قومه فليتركه، وذلك كالزاهد الذي له أقارب أغنياء، فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان، ولكنه يقصد أقاربه انتقامًا منه بواسطتهم، فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه، فليتركها، فإن إيذاء المسلمين محذور، كما أن السكوت على المنكر محذور ... ) )"انظر (إحياء علوم الدين) (2/ 223) ".
وقول للإمام ابن الجوزي -رحمه الله-، حيث يقول في مثل هذا أيضًا:
(( الجائز من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع السلاطين: التعريف بالوعظ، فأما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنةً يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه، فهو جائز عند جمهور العلماء ) )"انظر (الآداب الشرعية) لابن مفلح المقدسي (1/ 197) ".
وقول للإمام ابن القيم، حيث يقول في مقام بيان الفهم الذي يتمكن به من الوصول إلى الحكم والفتوى بالحق ما نصه:
(( ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق، إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو: فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع.
ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك، لم يعدم أجرين، أو أجرًا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر، إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان عليه الصلاة والسلام بقوله: (( ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما ) )إلى معرفة عين الأم.
وكما توصل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته: (( لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك ) )إلى استخراج الكتاب منها.
وكما توصل الزبير بن العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى دلهم على كنز حيي، لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق، بقوله: (( المال كثير، والعهد أقرب من ذلك ) ).
وكما توصل النعمان بن بشير، بضرب المتهمين بالسرقة إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر، وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن تأمل الشريعة، وقضايا الصحابة، وجدها طافحةً بهذا، ومن سلك غير هذا، أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله ))"انظر (إعلام الموقعين) (1/ 88) ".
فكل هذه النصوص وأمثالها مثير عند الأئمة الفقهاء، مبنية على الاستنباط من مجموع النصوص الشرعية العامة والخاصة الواردة في مثل هذه الموضوعات، ومنسجمة مع القواعد الشرعية المقررة لدى علماء المسلمين.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
والحمد لله رب العالمين
كتبه
محمد أبو الفتح البيانوني
المدينة المنورة-1/ 7/1415هـ