'' ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للدرهم ولا للدينار حدا ولا ضرب هو درهما، ولا كانت الدراهم تضرب في أرضه، بل تجلب مضروبة من ضرب الكفار، وفيها كبار وصغار، وكانوا يتعاملون بها تارة عددا، وتارة وزنا، كما قال:'' زن وأرجح فإن خير الناس أحسنهم قضاء '' وكان هناك وزان يزن بالأجر ...(إلى أن
قال): '' وعلى هذا فالناس في مقادير الدراهم والدنانير على عاداتهم، فما اصطلحوا عليه وجعلوه درهما، فهو درهم، وما جعلوه دينارا فهو دينار، وخطاب الشارع يتناول ما اعتادوه سواء كان صغيرا أو كبيرا، فإذا كانت الدراهم المعتادة بينهم كبارا، لا يعرفون غيرها، لم تجب عليه الزكاة حتى يملك منها مائتي درهم، وإن كانت صغارا لا يعرفون غيرها، وجبت عليه إذا ملك منها مائتي درهم ... '' الخ.
وقد تأثر بعض فقهاء المغرب المعاصرين بهذا الرأي [1] ، فأفتوا بأن النصاب في العملة المغربية هي مائتا درهم (أي عشرون ألف سنتيم) .
و هذا الرأي ينطوي في نظري على أخطاء متعددة أهمها:
1.أنه يخالف نصوص الشريعة التي صرحت بأن الزكاة لا تجب إلا على الأغنياء، لأن من ملك مائتي درهم من دراهم المغرب، لا يمكن اعتباره غنيا.
وهناك من الدول ما يكاد درهمها أو دينارها يساوي سنتيما مغربيا، فهل نعتبر من ملك مائتين من هذه الدراهم التافهة القيمة غنيا؟ ونوجب عليه الزكاة؟ أعتقد أن الجواب بالنفي لا يختلف فيه اثنان.
2.أنه ينطلق من منطلق خاطئ، وهو الظن بأن الدرهم، وكذلك الدينار، الذي أحال عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وحدد به نصاب الزكاة، غير مضبوط وغير دقيق القيمة.
والحق أن الدرهم والدينار المستعملين في تحديد نصاب الزكاة كانا مضبوطين ضبطا تاما، لأنه لا يعقل أن يحيل الرسول صلى الله عليه وسلم، على شيء غير معروف وغير مضبوط، وفي هذا الصدد قال ابن خلدون رحمه الله:
'' فاعلم أن الإجماع منعقد، منذ صدر الإسلام، وعهد الصحابة والتابعين، أن الدرهم الشرعي، هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهما، وهو على هذا سبعة أعشار الدينار، ووزن
(1) منهم على سبيل المثال الفقيه السلفي الحاج محمد بن علي حمد ال المنتاكي الروداني (ت: 1424 هـ)
رحمه الله.