ذهبت أكثرية الباحثين المعاصرين، إلى تقدير نصاب الزكاة في النقود المتداولة، اعتمادا على الفضة، أي أن النصاب هو ما بلغ قيمة 595 غ من الفضة.
وهذا الرأي يبدو لي أرجح من غيره لما يلي:
1.لأن النصوص الشرعية التي تحدد نصاب الفضة بخمس أواق أو مائتي درهم، أكثر وأصح، أما النصوص التي تحدد نصاب الذهب بعشرين مثقالا أو عشرين دينارا فهي قليلة، وفوق قلتها لم تسلم أسانيدها من مقال.
قال ابن عبد البر: '' لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب شيء، من جهة نقل الآحاد الثقات '' [1] ، وقال النووي: ولم يأت في الصحيح بيان نصاب الذهب، و قد جاء فيه أحاديث بتحديد نصابه بعشرين مثقالا وهي ضعاف" [2] ، وقال ابن تيمية في فتاويه [3] متحدثا عن ترتيب مالك لأحاديث الزكاة في"
الموطأ-: '' ثم ذكر نصاب الذهب، والحجة فيه اضعف من الورق، فلهذا أخره ''.
ولا شك أن ما سلمت أسانيده من مقال، وبلغ أعلى درجات الصحة، يقدم
-عند التعارض والترجيح- على ما لم تسلم أسانيده.
2.ولأن معظم النقود المتداولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت نقودا فضية لدرجة أن قال عطاء:"إنما كان إذ ذاك الورق، ولم يكن الذهب [4] ، وهذا يعني أن الفضة التي راج استعمالها في عصر المبعث هي الأصل."
3.ولأن نصاب الفضة مجمع عليه، بخلاف نصاب الذهب الذي انقسم العلماء بشأنه إلى ثلاث طوائف:
أ) طائفة الجمهور التي ترى أن نصاب الذهب عشرون دينارا.
ب) طائفة الحسن البصري وأكثر أصحاب داود والثوري (في رواية عنه) التي ترى ان نصاب الذهب أربعون دينارا.
ج) طائفة طاووس وعطاء والزهري وسليمان بن حرب وأيوب السختياني التي ترى في نصاب الذهب التقويم بالفضة.
وهذه الاعتبارات الثلاثة أشار إليها القرضاوي في أكثر من موضع، في كتابه فقه الزكاة، فقد قال:
(1) سبل السلام 2/ 129.
(2) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد 2/ 186.
(3) ج 25 - ص 9.
(4) فقه الزكاة 1/ 247 - هـ 4.