فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 19

لقد أطنب المتكلمون من الكتاب والشعراء وأسهبوا تارة وأوجزوا للترغيب في السكوت ما لم تقتض الحاجة للنطق، وتكلم الحكماء وأهل الأمثال الشيء الكثير حول هذا الشأن وقد جاءت السنة المطهرة فأوضحت مدلول كل كلام ولنذكر طرفًا من ذلك مختومًا بالمسك من السنة:

قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده حينئذ في حفظ اللسان حتى يستقيم له، إذ اللسان هو المورد للمرء موارد العطب، والصمت يكسب المحبة والوقار ومن حفظ لسانه أراح نفسه، والرجوع من الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، والصمت العقل والمنطق يقتضيه.

ومما أنشد قول الكريزي:

أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون

واحفظ لسانك واحتفظ من غيه ... حتى يكون كأنه مسجون

وكّل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون

فزناه وليك محكمًا ذا قلة ... إن البلاغة في القليل تكون

وقيل عن أبي الدرداء «لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: منصت واع، أو متكلم عالم» . وقد أحسن ابن المبارك فقال:

تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله

وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله

ونسب إلى الأحنف بن قيس قول: «الصمت أمان من تحريف اللفظ، وعصمة من زيغ المنطق، وسلامة من فضول القول، وهيبة لصاحبه» وقيل أعظم الناس بلاء:

[من ابتلي بلسان مطلق وفؤاد مطبق]

ولقد أحسن القائل: واللسان فيه سبع خصال يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلة منها في موضعها: هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد بخير عن الضمير، وناطق يرد به الجواب، وحاكم يفصل به الخطاب، وشافع تدرك به الحاجات، وواصف تعرف به الأشياء، وحاصد يهذب الضغينة، ونازع يجذب المودة، ومسل يذكي القلوب، ومعز ترد به الأحزاب - قلت [1] : وخصلة أخرى هي أعظمها وأجلها وهي ذكر الله تعالى وتقديسه وتنزيهه. وقد قال تعالى { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } [الحج، الآية: 24] .

(1) أي مؤلف هذه الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت