ولقد أحسن صاحب البيت بقوله:
اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال
ولعظم أمر اللسان أحسن علي بن بكار بقوله: «جعل الله لكل شيء بابين وجعل للسان أربعة: الشفتين مصراعين والأسنان مصراعين» وبلغ عن عمر - رضي الله عنه - قوله: «يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه» . وقد قيل: «يملك صاحب الكلام كلامه قبل النطق، ويملكه كلامه بعد النطق، ورب كلمة سلبت نعمة» وأثر عن كعب «العاقبة عشرة أجزاء تسعة منها في السكوت» . وقال الأوزاعي: «ما بلي أحد في دينه ببلاء أضر عليه من طلاقه لسانه» .
كتمان وتحذير
غالب ما يقع فيه الإنسان من بلاء بسبب منطقه إن تكلم بلا روية وبلا تقدير وتأن [1] . فكم من مستمع سماع للكلام، وكم من مستمع عدو يبحث عن زلة لأخيه، وكم من مستمع جاهل يؤول الكلام لفهمه أو لما يشتهيه، والعاقل من وعظ بغيره.
ويجدر بمن هو على مصلحة من مصالح المسلمين أن يكون وقورًا كثير الصمت إلا فيما فيه مصلحة أو دفع مضرة. وليتنبه القارئ إلى أن البلاء موكل بالمنطق غالبًا [2] . فقد قيل أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، «فقال يا رسول الله: أرأيت إذا رأى الرجل على زوجته رجلًا ماذا يفعل؟.. فجاء في المرة الأخرى وقال يا رسول الله: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به» . وما أكبرها من مصيبة!.. وهذا وإن الهذيان يقل قيمة الإنسان فيصغر الكبير ويحقر العظيم ويضاق من القريب.
(1) أي في المجتمعات أو المكاتب أو أثناء الأسفار فيصرَّح ما هو في صالح الأعداء.
(2) وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الفأل الحسن من الكلام الطيب تفاؤلًا بوقوعه، والحوادث التي تصادف بسبب المنطق السيئ لا يتسع لها عدة صفحات مما هو متواتر على الألسنة ومما نسب للسابقين وأمثال ذلك كثيرة.