الحديث السادس عشر: صحة صوم من أصبح جنبًا
عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم: (كان يصبح جنبًا من جماع ثم يغتسل ويصوم) [رواه البخاري ومسلم، وفي حديث أم سلمة: (ولا يقضي) [1] ].
الحديث دليل على أن الصائم إذا أصبح جنبًا بأن طلع عليه الفجر وهو جنب من جماع أو احتلام فصومه صحيح، ولو لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر إذا أمسك عن الطعام والشراب والمفطرات بنية عند بدء وقت الصيام. والجنابة كلُّ ما أوجب غسلًا من إنزال أو جماع. قال الله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [2] . والله تعالى إذا أذن بالجماع إلى أن يتبين الفجر لزم من ذلك ألا يكون الاغتسال إلا بعد طلوع الفجر.
وتقييد الجنابة في الحديث بأنها من جماع؛ لبيان أن تأخيره - صلى الله عليه وسلم - الغسل عن اختيار منه، وأنه لم يفاجأ بما يوجب الغسل، فيفيد أنه لا تجب المبادرة بالغسل من الجنابة، بل يجوز تأخيره إلى طلوع الفجر.
وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب. فقال: يا رسول الله: تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ قال رسول الله: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال - صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» [3] .
وكذا الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ورأت الطهر قبل الفجر فإنها تصوم مع الناس ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ لأنها حينئذ من أهل الصوم. وعليها أن تبادر بالغسل لتصلي صلاة الفجر في وقتها.
وإذا احتلم الصائم في نهار الصيام فإنه يغتسل وصومه صحيح؛ لأنه ليس له اختيار في ذلك ولا إرادة، قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [4] .
وفي الحديث دليل على جواز اغتسال الصائم، لا فرق في ذلك بين الأغسال الواجبة والمسنونة والمباحة. قال البخاري: (باب اغتسال الصائم) ثم ذكر أن ابن عمر - رضي الله عنهما - بلّ ثوبًا فألقاه عليه وهو صائم. ودخل الشعبي الحمام وهو صائم [5] ، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم،
(1) أخرجه البخاري (1925) (1926) ، ومسلم (1109) .
(2) سورة البقرة، الآية: (187)
(3) رواه مسلم (1110) .
(4) سورة البقرة، الآية: (286) .
(5) الحمام: هو مكان الاغتسال بالماء الحار، وليس بالمعنى المعروف عندنا.