غير أن أميرها الصليبى"بوهميند"لم يحرمهم من الضيافة فقط، بل سلبهم أموالهم... في حين كان هؤلاء البائسون أينما ساروا في بلاد المسلمين يلقون ضروب العطف والكرم". إن هذه المقابلة تريك مبلغ"الارتقاء النفسى"الذى انطبع عليه المسلمون فجعلهم ـ وهم في أسوأ الظروف ـ حراصا على خلال الشرف والتقوى. وصفحة أخرى من مسلك خصومهم تكشف! لك عن هذه الحقيقة جلية نقية. ففى الصراع بينهم وبين الصهيونية العالمية يرسم اليهود سياستهم لكسب المعركة بهذا الأسلوب الدنىء.... يندسون هنا وهناك ليختلوا الشعوب عن فضائلها ويغروها بالفسق والتمرد. وشعارهم- كما يعلنون:"القوة والرياء"فليس يُكتب الفوز في السياسةِ إلا للقوة. ولا سيما إذا كانت كامنة بين المناقب اللازمة لرجال الحكم."فيقتضى الأمر إذن أن نتخذ العنف مبدأ، والمكر والنفاق قاعدة! وهذا الشر هو الذى يؤدى بنا إلى الخير (!) لذلك لا ينبغى أن نحجم عن الرشوة والخداع والخيانة في سبيل بلوغ مآربنا. والسياسة تقتضى بالإقدام دون تردد على اغتصاب أملاك الغير إذا كان فيها ما يؤمن خضوعه وطاعته لنا". إن استحواذ رذيلة ما على النفس يعرضها لأخطر المزالق، ويتدرج بها، وبأمر الجماعة معها، إلى مصير أسود. قال"روسو"فى كتابه"إميل":"لقد لاحظت أن الأحداث الذين يتبعون الفحشاء تقسو قلوبهم وتذهب شفقتهم، ويعتريهم في أمزجتهم شره يفقدهم التماسك، ويغريهم بالشهوات، ويسلبهم مشاعر الحنان والعطف، وقد يضحون بآبائهم وأمهاتهم، بل يضحون بالكون كله في سبيل ما يشتهون...". وهذا الذى يقوله"روسو"وصف صادق لمن نسوا الله وجحدوا دينه وشبوا في ظلمات الإلحاد والفوضى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالو الجحيم) . ص _015"