(وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) . فلا غرو أن يتضمن الإسلام جملة طائلة من العقائد والعبادات والأحكام والآداب، تخضد هذا الشر وتحول عرامه إلى ما هو أجدى. وفى القرآن والسنة آلاف التوجيهات إلى هذه الغاية الشريفة. ولولا أن النفوس بحاجة إلى المزيد من هذه الصور المؤسسة والمؤكدة ما ترادفت كذلك في دين الله. وأحسب أن الأمة الإسلامية ظلت قرونًا طويلة ـ نتيجة هذه التربية ـ أقرب مجتمعات الدنيا إلى الأدب والتعاون والتحاب ، وإن اضطربت سياسة الحكم فيها. والموازنة بين أحوال المسلمين العامة طوال القرون الوسطى، وبين مجتمعات اليهود والنصارى تبين للدارس المحايد، وإن أثر الإسلام في طبع أتباعه على الهدى والتقى والعفاف لا يقاربه أثر آخر. إنهم ـ يوم انهزموا لضعفهم المادى والأدبى أمام صليبية القرون الوسطى ـ كانوا أنظف سيرة، وأنصع صحيفة من خصومهم. قال كاتب غربى يصف هذه الحروب:"إن الصليبين ارتكبوا جرائم وفظائع جعلت الدنيا تهتز فزعا من هولها. كانوا يقتلون الأطفال في أحضان أمهاتهم وينثرون أشلاءهم في الهواء. وقد جمعت هذه الحملات بين المتعصبين الذين يعتقدون في قداسة جهادهم، وبين نفر انهمكوا في الدعارة ونسوا بيت المقدس، وراحوا يمثلون مناظر صاخبة من هتك الأعراض إلى النهب والقتل. وكانت جميع هذه الفظائع تترك آثارا فاضحة على فعالهم أينما رحلوا". ولم يفقد المسلمون اتزانهم بازاء هذه الأحداث الشنعاء. فقد ظلوا على خلُق رفيع يصفه كاتب غربى آخر فيقول:"إن كثيرا من المسيحيين الذين غادروا"بيت المقدس"ـ بعد انتصار صلاح الدين ـ رحلوا إلى"أنطاكية". ص _014"