فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 212

عليه (أى يجيئه الوحى) ثم جعل يمسح عن جبينه فقال:"أين السائل؟"قال: أنا. قال:"لا يأتى إلا بالخير! إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضرة، أكلت حتى امتدت حاصرتها، ثم استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت. ثم عادت فأكلت. وإن هذا المال خضرة حلوة. مَن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنِعْمَ المعونة هو… ومَن أخذه بغير حقه كان كالذى يأكل ولا يشبع". من السوائم بهم تغريهم خضرة الربيع الندى فهى تقبل عليها بعدما يبست أكبادها في فصول الجفاف إقبال النهم اللهفان، وليس لها من طبيعتها الجاهلة إلا أن تستلذ المطعم السهل فهى تأكل وتلتهم، ثم تأكل وتلتهم، ثم تستزيد وتختزن، ثم لا تزال هكذا حتى تزحم كرشها مما أمامها حتى تنفق. وكم من دابة أهلكها أن قُرِّبَ الطعام منها، ومُكنِّت منه. وكم من أناس أعجبتهم زهرة الحياة الدنيا فسبت أعينهم وأفئدتهم، وامتدت لها أيديهم، وتفتحت شهيتهم، فما زالوا يتناولون منها حتى اكتظوا، وما زالت أثرتهم تلح عليهم بالمزيد حتى لحقوا بالدواب النافقة فهلكوا. إن التشبع من الدنيا على هذا النحو الأحمق خسران مبين. واختزان الأموال! عند ذويها كإمساك الأطعمة في الجوف. والفضلات التى تحبس في بطون أصحابها، تتحول سموما مبيدة. وهذا الحديث ضُربَ للحياة المعتدلة: سائمة اقتصدت في مرعاها، واجترت ما أكلت، وتخلصت مما بقى في بدنها. أما الدواب التى يدركها الجزارون فهى تلك التى تتعطل أعضاؤها لطول ما شرهت، إنهم ينتفعون بلحمها بعد ما تعذر الانتفاع بحياتها...!! أرأيت هذه الأموال المصادرة بعد ما كفَّ عنها أصحابها؟ إنهم بشموا بها فحوِّلت عنهم إلى قن لا يشكو بطنة… بل إلى من يشكون المسغبة. وهكذا يعالج كل مَن أغراه ربيع الحياة فأمسك الفضل من ماله ولم يمسك الفضل من قوله. والقاعدة التى وضعها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن هذا المال خضرة حلوة، مَن أصابه بحقه بورك له"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت