لقد بلغنا أن أم الربيع بن خيثم كانت تنادي فتقول يا بني الربيع ألا تنام ؟ فيقول الربيع: يا أماه من جن عليه الليل وهو يخاف , حقَّ له إن لا ينام . قال: فما بلغ و رأت ما يلقى من البكاء و السهر , نادته أمه فقالت: يا بُني لعلك قتلت قتيلًا ؟
-فاسمع إلى هذه الإجابة التي قالها الربيع - قال: نعم يا والدتي قتلت قتيلًا , قالت متعجبة: من هذا القتيل يا بُني نتحمل على أهله فيعفوك , و الله لو علموا ما تلقى من البكاء والسهر لرحموك . - فيا ترى من هذا الذي قتل؟ اسمع إلى هذه الإجابة التي قالها الربيع لوالدته - قال: يا والدتي هي نفسي .
يعني أنهُ ظلم نفسه التي بين جنبيه بالتفريط و التقصير , وهو العابد الزاهد التقي الورع . وهكذا حال التائبين ...دموعهم حارة مدرارة بالليل والنهار.
فماذا نقول نحن المقصرون المذنبون الغافلون؛ ولسان حال الربيع بن خيثم يقول:
ما أحلم الله عني حين أمهلني و قد تماديت في ذنبي و يسترني
تمُر ساعات أيامي بلا ندم ولا بكاءٍ ولا خوفٍ و لا حزن
يا زلة كتبت في غفلة ذهبت يا حسرة بقيت في القلب تحرقني
دعني أسح دموعًا لا انقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني
وهذا الفضيل بن عياض كان شاطرًا في قطع الطريق ، وكان يتعشق جارية ، فبينما هو ذات ليلة يتسور عليها جدارًا ، إذا سمع قارئًا: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } (1)
فبكى وقال: بلى قد آن ، فتاب وأقلع عما كان عليه ،واستمر على توبته ،حتى كان منه ما كان من السيادة والعبادة والزهادة ، ثم صار علمًا يقتدى به ، ويهتدى بكلامه وفعاله .
(1) الحديد:61) .